جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تشكل المرحلة الراهنة منعطفاً تاريخياً بالغ الدقة في مسار الأزمة اللبنانية، حيث تتقاطع التسريبات الدبلوماسية والميدانية حول المفاوضات الجارية في محاولة لتثبيت وقف إطلاق نار يبدو في جوهره هشاً ومقيداً بالعديد من الاشتراطات والقيود التي تفرضها القوى الدولية والإقليمية. وتأتي هذه التطورات في ظل تباين داخلي حاد حول طبيعة هذه المفاوضات وآلية إدارتها، بين تيار يرى في الحوار الدبلوماسي المباشر سبيلاً وحيداً للخروج من أتون الحرب والدمار، وتيار آخر يتمسك بالآليات التقليدية عبر الوسطاء الدوليين تجنباً لما يعتبره انتقاصاً من الثوابت الوطنية والمبادئ السيادية الراسخة. إن هذا الواقع يفرض على جميع الأطراف المعنية قراءة متأنية تتجاوز الحسابات الضيقة نحو أفق وطني جامع يضع مصلحة الدولة العليا وسيادتها فوق أي اعتبار آخر، خصوصاً أن المشهد يتسم بتداخل الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية، مما يجعل من أي خطوة غير مدروسة تهديداً مباشراً للكيان اللبناني واستقراره الأمني والسياسي والاقتصادي على المدى المنظور والبعيد، وهو ما يستدعي استنباط مقاربة وطنية شاملة تعيد الاعتبار لهيبة الدولة ومؤسساتها الدستورية في مواجهة العواصف العاتية.
تتعلق المعطيات المسربة بمسار المفاوضات والهدنة المشروطة التي تحاول العواصم الكبرى تثبيتها، حيث تم تحديد سقف زمني صارم ينتهي قريباً، رابطةً استمرار التهدئة التي تم تمديدها مؤخراً بالتوصل إلى تفاهم حقيقي وشامل خلال فترة زمنية وجيزة لا تتعدى الأسبوعين. هذا الضغط الزمني الممنهج يضع الموقف الرسمي اللبناني أمام خيارات استراتيجية دقيقة وصعبة، خاصة في ظل الإصرار على تضمين مسودات التفاوض بنوداً تتعلق بالاحتفاظ بحق تنفيذ ضربات عسكرية تحت شعار الدفاع عن النفس ضد أي تهديدات وشيكة، وهو ما تعتبره الفعاليات الوطنية اللبنانية محاولة لشرعنة الانتهاكات المستمرة للسيادة الوطنية وتكريساً لحالة من التدخل العسكري الدائم في الشؤون الداخلية. ومن جهة أخرى، يشكل البحث في الترتيبات الأمنية الدائمة محوراً أساسياً في الضغوط التي تمارسها القوى الدولية، حيث تسعى لأن تكون هذه الترتيبات، التي تتجاوز في مضمونها القرارات الدولية السابقة، هي الجوهر الفعلي لأي تفاهم قادم. في المقابل، يبرز موقف وطني صلب يرى أن أي بحث جدي يجب أن يبدأ أولاً بوقف التدمير الممنهج الذي يطال القرى الجنوبية ورفع المعاناة الإنسانية عن المدنيين، قبل الخوض في تفاصيل أمنية قد تمس بالجوهر السيادي أو تثير انقاسامات داخلية جديدة تعمق من أزمة الثقة الوطنية.
وعلى الصعيد الميداني الموازي لطاولة التفاوض، تتسم الأوضاع بتصعيد عسكري مستمر يلقي بظلاله الثقيلة على مسار التسوية، لا سيما في مناطق النبطية والزهراني التي شهدت تحولات دراماتيكية. فقد أدى توسع دائرة الاستهداف إلى صدور أوامر إخلاء واسعة النطاق شملت عشرات القرى والبلدات، حيث تم الطلب من السكان الابتعاد لمسافات كبيرة عن منازلهم، مما خلق أزمة نزوح وإيواء غير مسبوقة تضع المجتمع اللبناني أمام تحديات اجتماعية واقتصادية هائلة. وتوثق التقارير الميدانية عمليات تدمير ممنهج للأحياء السكنية والمنازل في القرى المتاخمة للحدود، إلى جانب استهداف الجسور الحيوية والشرايين الارتكازية بهدف عزل الجنوب عن العمق اللبناني وتقطيع أوصال الجغرافيا الوطنية. كما طالت الغارات العنيفة أحياء سكنية في مراكز المدن الكبرى وبلدات قضاء الزهراني، مما أسفر عن سقوط مئات الضحايا وتدمير واسع في البنية التحتية والقطاع الزراعي، وهو ما يعكس استراتيجية عسكرية تهدف إلى الضغط على المفاوض اللبناني من خلال إحداث دمار شامل يصعب ترميمه في المدى القريب، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي ويصعب من مهمة التوصل إلى تفاهمات تحظى بقبول وطني عريض.
ويبرز في هذا الإطار التباين اللبناني الداخلي حول إدارة هذا الملف، وتحديداً بين من يدعمون المسار الدبلوماسي المباشر في المحافل الدولية لانتزاع وقف إطلاق نار دائم وعودة النازحين، ومن يرون في هذا المسار تجاوزاً للأعراف المتبعة في النزاعات المماثلة. فبينما يسعى الجناح الرسمي إلى تحقيق اتفاق يركز على أولوية المصالح اللبنانية وفصلها عن الصراعات الإقليمية الكبرى، يميل جناح آخر إلى التمسك بمفاوضات غير مباشرة تشترط وقفاً شاملاً للأعمال العدائية وانسحاباً كاملاً من الأراضي المحتلة قبل الخوض في أي ترتيبات سياسية. هذا الكباش السياسي يعكس عمق الأزمة البنيوية في الرؤية الوطنية الموحدة لكيفية حماية البلاد، إلا أن القاسم المشترك يظل هو التمسك بالدولة كمرجعية وحيدة وبضرورة تعزيز سيادتها واستقلالها من خلال الحوار والتنسيق والتفاهم بين جميع المكونات، وبعيداً عن منطق الاتهام أو التحدي الذي لا يؤدي إلا إلى مزيد من الوهن في الموقف التفاوضي اللبناني أمام المجتمع الدولي.
أما بالنظر إلى الرؤية الأميركية، فإن واشنطن تدير هذه المفاوضات بمنطق “إدارة الأزمات الكبرى”، حيث تسعى إلى صياغة واقع أمني جديد يضمن استقرار الحدود على المدى الطويل. تعتمد الإدارة الأميركية في تحركاتها على مزيج من الضغوط الدبلوماسية والحوافز الاقتصادية، محاولةً إعادة رسم الخارطة الأمنية في الجنوب اللبناني بما يتماشى مع رؤيتها لترتيبات إقليمية أوسع. تهدف السياسة الأميركية في جوهرها إلى الوصول إلى تفاهمات تضمن إنهاء المظاهر المسلحة في مناطق معينة وتعزيز دور القوات الرسمية، معتبرة أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة لتغيير قواعد الاشتباك التقليدية. ومع ذلك، تصطدم هذه الرؤية بصلابة الموقف اللبناني الذي يرفض تقديم تنازلات تمس بجوهر السيادة أو تمنح الطرف الآخر مكاسب أمنية لم يحققها في الميدان، مما يضطر الوسطاء الدوليين إلى البحث عن صيغ أكثر توازناً تأخذ في الاعتبار الهواجس اللبنانية المشروعة المتعلقة بالأمن القومي وحق الدفاع عن الأرض.
وفيما يخص الموقف الإقليمي، تبرز المملكة العربية السعودية كلاعب يتسم بالرزانة والدبلوماسية الهادئة، حيث تنطلق رؤيتها من ضرورة استعادة لبنان لسيادته الكاملة وتفعيل مؤسساته الدستورية بعيداً عن التدخلات الخارجية. ترى الرياض أن استقرار لبنان يكمن في العودة إلى روح اتفاق الطائف والالتزام بالقرارات الدولية التي تحفظ وحدة البلاد واستقلالها. ولا تنخرط المملكة في التفاصيل الإجرائية للمفاوضات، بل تضع إطاراً عاماً يقوم على دعم الدولة اللبنانية وجيشها الوطني كضمانة وحيدة للأمن، مؤكدة على ضرورة حماية لبنان من التحول إلى ساحة لتجاذب المصالح الدولية. أما الموقف المصري، فهو يمثل صمام أمان دبلوماسي، حيث تسعى القاهرة من خلال اتصالاتها المكثفة إلى منع انهيار الدولة اللبنانية وتخفيف حدة التصعيد العسكري. تدفع الدبلوماسية المصرية نحو حلول واقعية تضمن وقف نزيف الدماء وتفتح الطريق أمام حوار داخلي يؤدي إلى انتظام عمل المؤسسات، مع التركيز على أن أي تفاهم دولي يجب أن يحترم الخصوصية اللبنانية ولا يفرض شروطاً تؤدي إلى انفجار الأوضاع داخلياً.
إن ما يمكن للبنان تحقيقه في هذه المفاوضات يتجاوز مجرد وقف العمليات العسكرية؛ إذ يمتلك لبنان فرصة تاريخية للتمسك بحماية سيادته من خلال تفعيل اتفاقية الهدنة المبرمة تاريخياً بعد تعديلها بما يتلاءم مع مقتضيات العصر، وبما يضمن حماية الحدود ومنع أي اعتداءات مستقبلية. إن تفعيل هذه الاتفاقية بصيغة مطورة يمثل المخرج القانوني والسيادي الأمثل، حيث توفر إطاراً معترفاً به دولياً يحفظ الحقوق اللبنانية ويؤمن الغطاء اللازم لعودة النازحين إلى قراهم ومدنهم بضمانات دولية واضحة، والبدء فوراً في عمليات الإعمار الشاملة. إن القوة التفاوضية للبنان تكمن في استناده إلى القانون الدولي وشرعية المطالب الوطنية بالاستقلال والسيادة، وهو ما يمكنه من تحويل الضغوط الدولية إلى فرص لجذب الاستثمارات وإعادة بناء البنية التحتية المتهدمة تحت إشراف الدولة ومؤسساتها الرقابية، مما يعيد الأمل للمواطن اللبناني في غد مستقر وآمن.
وبناءً على المعطيات الواقعية، فإن التوقعات تشير إلى أننا أمام مرحلة انتقالية تتسم بالهدنة الحذرة والهشة، حيث لن تظهر النتائج النهائية للمفاوضات بشكل فوري، بل ستخضع لعمليات شد وجذب طويلة الأمد. ومن المتوقع أن يشهد المسار الدبلوماسي جولات مكوكية تهدف إلى تدوير الزوايا حول البنود الأمنية الأكثر تعقيداً، مع إمكانية الوصول إلى ترتيبات مؤقتة تضمن وقف إطلاق النار للسماح بعودة جزئية للنازحين وبدء العمليات الإغاثية. إن التحدي الأكبر الذي سيواجه لبنان في المستقبل القريب هو كيفية تحويل هذه التهدئة إلى استقرار مستدام عبر صياغة استراتيجية وطنية للدفاع والسيادة تلتف حولها كافة المكونات، وتجعل من الجيش اللبناني الركيزة الأساسية لحماية الحدود. إن الحلول المستدامة لا تصنعها الأوراق الموقعة في الخارج فحسب، بل يرسخها التوافق الداخلي على أولوية الدولة والعمل على إعادة إعمار ما هدمته الحرب برؤية اقتصادية واجتماعية وطنية شاملة تضع لبنان على خارطة الاستقرار الإقليمي من جديد، بعيداً عن سياسات المحاور وصراعات النفوذ، وصولاً إلى سيادة ناجزة تحمي الأرض والإنسان.


