
جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني
يقف العالم اليوم أمام اختبار أخلاقي وإنساني غير مسبوق، تكشفت فيه هشاشة المنظومة الدولية وتهاوت شعاراتها أمام واقع القوة المفرطة. إن العدوان العنيف الذي استهدف الأراضي الإيرانية مؤخرًا، وما رافقه من مآسٍ يندى لها الجبين، وفي طليعتها الفاجعة التي ألمت بمئات التلميذات البريئات، يطرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة المعايير التي تحكم العلاقات بين الأمم. لقد قوبلت هذه المشاهد المروعة ببرود لافت وصمت مطبق من عواصم كبرى لطالما نصبت نفسها حارسة لحقوق الإنسان ومدافعة عن الأصول القانونية. وبدلاً من إدانة هذا الخرق الواضح للقوانين والمواثيق التي تحمي المدنيين وتصون سيادة الدول، برزت مواقف داعمة ومبررة للعدوان من دول تتغنى بمرجعيتها القانونية، مما يعكس ازدواجية معايير فاضحة تفرغ المنظومة الدولية من أي محتوى قيمي، وتؤكد أن هذه القواعد وُضعت لتطويق الضعفاء لا لردع الأقوياء.
لفهم الجذور العميقة لهذا السلوك المنحاز، لا بد من تفكيك عقدة التفاوت الحضاري التي تسيطر على العقل السياسي الغربي وحلفائه الاستراتيجيين. تعتمد هذه الرؤية الاستعلائية على تصنيف العالم إلى مركز متحضر يمتلك حق القيادة، وأطراف تابعة لا تعدو كونها ساحات للاستغلال ومخازن للموارد. هذا المفهوم المشوه للتفوق يعطي قادة يتبنون هذه العقيدة، أمثال دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، مبررًا ذاتيًا لممارسة شتى أنواع العدوان وسلب الحقوق التاريخية للشعوب. وفقًا لهذا المنطق المستبد، يصبح الاستيلاء العنيف على مراكز الطاقة والمعادن الحيوية والموارد الطبيعية ممارسة مشروعة، لأنها تخدم مصالحهم العليا وتضمن استمرار تفوقهم الإقليمي وهيمنتهم العالمية. إنهم ينظرون إلى القوانين الدولية كأدوات طيعة تُستخدم عندما تتوافق مع حساباتهم، وتُداس عندما تقف عقبة أمام مشاريعهم التوسعية، مؤسسين لنهج يشرعن الاستيلاء بالقوة تحت غطاء تفوق حضاري مزعوم لا يمت للإنسانية بصلة.
وفي خضم هذا الصراع، يبرز تساؤل ملح حول مآلات التموضع الأحادي؛ فماذا لو نجح ترامب في تحقيق أهدافه بإخضاع المؤسسات الدولية بالكامل لإرادته؟ إن تحقق هذا المسار يعني تكريس دكتاتورية دولية تلغي سيادة الدول وتصادر قراراتها المستقلة. ولكن، في المقابل، يبرز الاحتمال المعاكس: ماذا لو صمدت إيران ولم تخضع لآلة الضغط والترهيب؟ إن هذا الصمود لن يكون مجرد دفاع عن جغرافيا سياسية، بل سيشكل حجر الزاوية في تحول بنيوي يمهد الطريق لترسيخ الثنائية القطبية. فحين تفشل سياسة الإخضاع، تتسارع وتيرة بناء تحالفات جديدة بين الصين وروسيا والقوى الرافضة للهيمنة، لتأسيس منظومات اقتصادية وأمنية موازية تسحب بساط النفوذ الأحادي، وتعيد صياغة خريطة القوى العالمية على أسس تعترف بالتعددية وتنهي حقبة الاستفراد بالقرار الدولي.
وسط هذه الأمواج المتلاطمة، يقف لبنان أمام تحديات مصيرية تتطلب أعلى درجات الحكمة والتبصر. إن دقة المرحلة تفرض العمل الدؤوب على تعزيز الدولة وسيادتها واستقلالها من خلال الحوار والتنسيق والتفاهم بين المكونات اللبنانية كافة، وبعيدًا عن الاتهام والتحدي والصراع الداخلي. يجب الارتقاء بالخطاب الوطني وتجنب الأفكار التي قد تجعل أي مواطن طرفًا ضد أخيه في الوطن، والحرص على صياغة موقف موحد يحتضن هواجس الجميع. إن الدولة، بمؤسساتها الجامعة وقرارها المستقل، هي الحاضنة الوحيدة القادرة على تأمين مستقبل آمن ومستقر، وهي السبيل الأوحد لدرء المخاطر والحفاظ على تماسك المجتمع بعيدًا عن أي اصطفافات تضر بالمصلحة الوطنية العليا.
ختامًا، إن هذا المشهد يفرض الانتقال إلى طرح مبادرات إنقاذية تعيد تصويب البوصلة. على الصعيد العالمي، بات من الملح تأسيس إطار قيمي يرتكز على العدالة المتساوية ورفض الاستغلال. أما على الصعيد الوطني اللبناني، فإن الطريق نحو التعافي يستوجب إطلاق ورشة حوار وطني شاملة تهدف إلى تفعيل دور الدولة كمرجعية وحيدة، وتمتين الوحدة الوطنية عبر التفاهم والتكافل، ليظل لبنان نموذجًا صلباً قادراً على مواجهة التحديات الكبرى والانطلاق نحو غد مشرق يليق بتطلعات أبنائه.


