جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني
تعد المعضلة الدفاعية في لبنان من أكثر القضايا عمقاً وحساسية؛ فهي لا تمس البنية العسكرية فحسب، بل تمس جوهر العقد الاجتماعي وهوية الدولة وسيادتها. إن القراءة المتأنية للواقع اللبناني تفرض تجاوز الخطاب الانقسامي الذي يحصر السلاح بين صفتي “العبء” أو “الدرع”، والذهاب نحو صياغة وطنية جامعة تخرج البلاد من دوامة الصراعات الداخلية والارتهان للخارج، وصولاً إلى بناء قوة ردع وطنية متكاملة تستند إلى مفهوم الدولة المركزية.
إن الإشكالية الكبرى التي واجهت لبنان لسنوات لم تكمن في أصل وجود القوة، بل في تعثر إيجاد الإطار القانوني والسياسي الذي يصهر هذه القوة في بوتقة المصلحة الوطنية العليا. فبينما يرى فريق أن المقاومة هي فعل إرادة شعبية ولدت من رحم المعاناة لمواجهة أطماع عدو تاريخي، يرى فريق آخر أن خروج القرار الدفاعي عن سلطة المؤسسات الرسمية يضعف الدولة ويجعل الساحة اللبنانية عرضة لتجاذبات المحاور الإقليمية. هذا التباين، إذا ما استمر في إطاره الصدامي، قد يفتح الأبواب أمام مشاريع فتنة داخلية تسعى قوى خارجية لتأجيجها، وهو ما يرفضه اللبنانيون جملة وتفصيلاً حرصاً على السلم الأهلي والعيش المشترك.
لذلك، فإن المدخل الحقيقي للحل يكمن في “تأميم القرار الدفاعي” عبر هندسة سياسية وقانونية تحول “ازدواجية السلاح” إلى “تكامل في الوظائف”. إن المقاومة، بما تمثله من تضحيات جسيمة وخبرات ميدانية، هي إرث وطني لا يجوز التفريط به أو تركه عرضة للتصنيفات الدولية المغرضة. وفي المقابل، فإن الدولة هي المظلة الوحيدة القادرة على منح هذه القوة شرعيتها وحصانتها. إن استعادة لبنان لمكانته العربية ودوره الريادي، واعتماد سياسة النأي بالنفس عن الصراعات، هي غايات تتطلب حكمة في الوسائل؛ إذ إن المراهنة على حلول استئصالية للسلاح عبر “التدويل القسري” أو الاستقواء بقرارات أممية تحت الفصل السابع لسحب السلاح بالقوة، لا تمثل حلاً مستداماً، بل هي وصفة لتفجير الصراع السياسي والاجتماعي. إن أي مسعى لإشعار مكون أساسي بالخطر الوجودي، خاصة في ظل استمرار العدوان، سيؤدي حتماً إلى شرخ لا يمكن التئامه.
تبدأ رحلة الحل من خلال “ميثاق شرف دفاعي” يعيد تعريف التهديد بناءً على ثوابت الوجدان الوطني، حيث يرى الجميع في الاحتلال خطراً داهماً على كيان الدولة بكل مكوناتها. وعلى الصعيد الإجرائي، تبرز الحاجة إلى تشريعات رصينة تمنح المقاوم صفة رسمية تحت لواء وزارة الدفاع، مثل “قانون الاحتياط” أو “ألوية الدفاع الإقليمي”. إن هذا الانتقال من “الفصائلية” إلى “المؤسساتية” يضمن حقوق المقاومين ويجعل تحركاتهم جزءاً من استراتيجية عليا تديرها غرفة عمليات مشتركة مع الجيش اللبناني. هذا الدمج يسمح للدولة بأن تدير الدبلوماسية بقوة، مستندة إلى أوراق ضغط ميدانية لانتزاع الحقوق البرية والبحرية، وتطوير علاقاتها الدولية مع القوى الكبرى كأميركا وأوروبا من موقع السيادة الحقيقية.
إن حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة هي الهدف المنشود، لكنها لا تتحقق بالصدام، بل عبر بناء “جسر الثقة” بين المؤسسات الرسمية والقوى الميدانية. إن بناء الدولة القوية يبدأ بامتصاص هذه القدرات ضمن استراتيجية تجعل من الجيش اللبناني القائد والمخطط، ومن الخبرات الشعبية الرديف المساند. بهذا المعنى، يصبح السلاح جزءاً من سيادة الدولة لا خارجاً عنها، مما يحيد لبنان عن التجاذبات ويؤمن حماية حقيقية ضد أي عدوان، دون السقوط في فخ الفتنة أو استغلال الواقع لفرض حلول تخل بالتوازن الوطني.
في الختام، إن مستقبل لبنان يعتمد على قدرة أبنائه على الابتكار السياسي الذي يجمع بين أصالة الانتماء والعبور نحو الدولة القادرة. إن الردع الوطني الجامع هو الضمانة الوحيدة لعدم الانكشاف الأمني، والحل يكمن في الحوار والتنسيق الدائم بعيداً عن لغة الاتهام. إن بناء دولة تملك قرارها وتفتخر بأبطالها وتصون سيادتها هو الهدف الأسمى الذي يتطلب شجاعة في الطرح ومرونة في التنفيذ، ليبقى لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه، محصناً بوحدته، وقوياً بتكامل قواه الوطنية تحت راية الشرعية والسيادة الكاملة.


