جريدة الحرة بيروت
بقلم : كارين القسيس مدونة الكاتبة كارين القسيس

في منطق العلاقات الدوليّة، لا تسقط الذرائع بالتقادم، بقدر ما يُعاد تدويرها بذكاء سياسي كلّما اقتضت الحاجة تبرير خطوة كبرى، فالتاريخ الحديث يخبرنا أنّ الطريق إلى الحروب لا يُعبد بالحقائق إنّما يُرصّ بسرديات الخوف، وتُزيّنه عبارات من نوع “الخطر الوشيك” و”التهديد الوجودي” و”الضربة الاستباقيّة”.
هكذا تبدأ الرواية “المفبركة” دائماً. تضخيم للخطر، وشيطنة للخصم، وحشد أخلاقي وسياسي يمهّد لقرار كان قد اتُّخذ سلفاً، بالأمس، قيل إنّ الرئيس العراقي الاسبق صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل، وإنّ بغداد قوة عسكرية خارقة، وإنه يتحالف مع القاعدة لتهديد العالم. عندها رُفعت الرايات، وقُرعت طبول الحرب، واصطفّت العواصم خلف رواية بدت آنذاك حاسمة لا تقبل التشكيك. ثم، بعد أن وقع الخراب وتفككت الدولة وسالت الدماء، اكتشف العرب والغرب أنّ الذريعة لم تكن سوى سيناريو تقرر خوضه مسبقاً.
اليوم، يُعاد المشهد ذاته، لكن بعنوان مختلف، إيران على وشك قصف إسرائيل، ولم يعد يفصلها عن القنبلة النووية سوى القليل من الوقت. تتكرر العبارات نفسها في الآونة الأخيرة، وتُستحضر لغة الاستعجال ذاتها، وكأنّ الذاكرة السياسية للشعوب قصيرة إلى هذا الحد. فعندما تتكاثر هذه السرديات في الإعلام والسياسة، فغالباً ليس توصيفًا بريئًا للواقع، بل تمهيد لإعادة صياغته بالقوة ذاتها. إنها لحظة وضع دولة ما أمام معادلة قاسية “الاستسلام أو التدمير”، وفي الحالة الإيرانية، يبدو أنّ الرئيس الأميركي اتخذ قراره بشن الضربات “الرحمة” الأخيرة.
المفارقة الجوهرية تكمن هنا. إيران التي تُصوّر نفسها باعتبارها طرفاً متعطشاً للمواجهة، تمضي في الوقت ذاته في مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، وتتحمل ضغوطاً اقتصادية خانقة وعقوبات ممتدة وتهديدات عسكرية معلنة، في محاولة واضحة لتفادي حرب شاملة. فكيف يستقيم منطق الاتهام بأن دولة تسعى لتجنب الانفجار، هي نفسها من سيبادر إلى إشعاله؟ وهل يُعقل أن تُغامر بحرب مفتوحة في لحظة اختناق اقتصادي وسياسي، بينما لا تزال تراهن على نافذة دبلوماسية، مهما كانت ضيقة؟
المشهد العربي بدوره لا يقل تعقيداً. فالكثير من العواصم ومنها المملكة العربيّة السعوديّة تدرك تماماً أنّ أي مواجهة واسعة لن تكون معركة جراحية محدودة، إنّما زلزالاً استراتيجياً يضرب أمن الطاقة، ويقوّض الاستقرار الاقتصادي، ويعيد رسم خرائط النفوذ في الإقليم بأكمله. إذ أنّ حرباً بهذا الحجم لن تبقى محصورة بين طهران وتل أبيب، بل ستمتد شظاياها إلى الممرات البحرية والأسواق العالمية والحدود الهشة.
إلى جانب ذلك، فإن سياسات حكومة بنيامين نتنياهو، بخياراتها التصعيدية وخطابها الحاد، عمّقت القلق من مشروع إقليمي مفتوح السقف والطموح، ويتجاوزها إلى إعادة هندسة موازين القوة في المنطقة، وبالتالي هذا ما يفسّر تزايد الحذر العربي من الانزلاق إلى مواجهة قد تغيّر طبيعة الصراع من نزاع يمكن احتواؤه إلى حرب لا يمكن التحكم بمآلاتها.
في المحصلة، لا يكمن السؤال الحقيقي في ما إذا كانت إيران تقترب من القنبلة النووية، أو ما إذا كانت إسرائيل ستبادر إلى الضربة، بل السؤال الجوهري هل تعلّمت المنطقة من درس الأمس، أم أن التاريخ يستعد لتكرار نفسه، ولكن بكلفة أشد قسوة وأوسع نطاقاً؟


