الثلاثاء, ديسمبر 16, 2025
14.7 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ نهاية تشرين .. وبداية تقاطع المحاور

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم علي خليل ترحيني  مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

إن المشهد اللبناني اليوم لا يمثل مجرد فصل عابر من يوميات السياسة، بل هو نقطة انكسار جيوسياسية تضع الدولة على خط تماس بين التحدي الوجودي والترهيب بمهلة. لقد بلغت الأزمة ذروتها مع اقتراب نهاية “مهلة تشرين الثاني”، التي نُقل عبر موفدين دوليين أنها المدة المتاحة أمام بيروت لإحداث تغيير في ملف السلاح، وإلا فإن واشنطن قد “تتفهم” ضربة إسرائيلية واسعة تهدف إلى “قطع رأس الحزب” وتغيير معادلة الجنوب. هذا التهديد الاستراتيجي يتزامن مع الذكرى السنوية لوقف الأعمال العدائية الذي لم يحقق غايته الأساسية: حصرية السلاح.

في قلب هذا التوتر، يبرز “حزب الله” بـ “لغة كيانية” متصلبة، معلناً عبر رسالته للرؤساء الثلاثة والشعب رفضه المطلق للتفاوض المباشر واعتبار حصرية السلاح “قرار الخطيئة” الذي لا يُبحث استجابة لـ “ابتزاز إسرائيلي”. هذا التشدد يرسخ مكانة الحزب كـ “مكون مؤسس للبنان” يملك حق الدفاع غير القابل للمساومة، مما يسحب البساط من تحت أي سلطة تفاوضية للدولة. فالحزب، الذي يمارس سلطة موازية ويدير اقتصاد الظل، يؤكد أن السلاح هو “ورقة وجودية” تتجاوز حدود القرار الوطني، ويجعل من الواضح أن إسرائيل لا تتفاوض مع بيروت إلا “بالنار” لفرض شروطها.

في المقابل، تتصاعد المقاربة الإسرائيلية الجديدة التي تقوم على “الهجوم خير وسيلة للدفاع”. ففي الوقت الذي يلجأ فيه الناطق باسم الجيش الإسرائيلي إلى “التهيئة النفسية والحرب الناعمة” عبر توجيه إنذارات عاجلة لسكان القرى الجنوبية مع خرائط للإخلاء، تتكشف نوايا إسرائيلية بالاستعداد لتدخل عسكري يهدف إلى “إضعاف حزب الله” ودفع الحكومة اللبنانية لتوقيع “اتفاقية مستقرة”. الخبراء العسكريون يؤكدون أن إسرائيل قد حققت بالفعل تغييراً ميدانياً عبر دخولها إلى نقاط استراتيجية عالية جنوب الليطاني، في إطار رؤية أوسع لـ “بناء نموذج الجنوب المنزوع من السلاح” وتحويل المنطقة إلى ممر اقتصادي، مما يعكس سعيها لتقليص النفوذ الإيراني في المشرق.

هذا الضغط الخارجي الهائل يجد لبنان الرسمي غارقاً في “الشلل المتعمد” و”قراءة النص من خارج المسرح”. فالاستحقاقات الداخلية المصيرية، سواء المتعلقة بخطة حصر السلاح التي يقدمها قائد الجيش أو بالسجال العنيف حول قانون الانتخابات (وخاصة اقتراع المغتربين الذي يشكل “مخرجاً لضمان تصويت عدد لا بأس به للأحزاب المسيحية”) تظل معلقة. هذا الشلل ليس عفوياً بل هو استراتيجي، حيث أن الحوار الوطني الفعّال حول القضايا الاستراتيجية (السلاح، الحياد) ممنوع داخلياً لأن كل طرف يرى فيها ورقة وجودية، ولأن حسمها يتطلب “ضوءاً أخضر من قوى إقليمية غير لبنانية”.

على الصعيد المالي، يتفاقم التحدي مع إشارة وزير المالية إلى أن التأخير في إقرار قرض إعادة الإعمار من البنك الدولي قد يؤدي إلى إلغائه، خصوصاً في ظل زيارة وفد مجلس إدارة البنك الدولي إلى لبنان. هذه الزيارة، التي تناولت عرض المشاريع والإصلاحات المالية، لم تتمكن من تبديد المخاوف من أن التأخر في أخذ الأمور على محمل الجد قد يؤدي إلى نقل اعتمادات القرض إلى مشروع آخر. هذا الواقع يربط بشكل مباشر الانهيار المالي بالمأزق الأمني، حيث يتأكد أن جمود الحكومة حول قانون الفجوة المالية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي لا يُبقي الأزمة المصرفية في دائرة الجمود فحسب، بل يهدد الاستقرار الاجتماعي ويزيد من صعوبة تأمين التمويل اللازم لإعادة إعمار الجنوب الذي تعهدت به الحكومة كأولوية وطنية.

وبالنظر إلى المشهد الاستشرافي، فإن انقضاء مهلة تشرين الثاني سيدفع بالبلاد نحو أحد مسارين استراتيجيين مركبين.
السيناريو الأول يرجح الانزلاق المضبوط نحو المواجهة الجزئية، حيث يرد الحزب برفع مستوى قواعد الاشتباك دون كسرها عبر استخدام أسلحة نوعية، لفرض “ردع متدرج” وإبقاء معادلة “التفاوض بالنار” قائمة، بينما تواصل إسرائيل استراتيجية “التقتير لا الانفجار”.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على الضغط الأمريكي – الإقليمي لتفعيل القرار الدولي، باستخدام التهديد الإسرائيلي كـ “مظلة ضغط” لإجبار لبنان على قبول تسوية، مع تفعيل دولي غير مسبوق لـ قوات اليونيفيل وربط أي دعم مالي وإعادة إعمار بـ تطبيق القرار 1701 وحصرية السلاح، مع محاولات إقليمية لإيجاد “مظلة سياسية” لإخراج لبنان من دائرة الصراع عبر “الاحتواء العنيف”.

إن الاستشراف الدقيق يشير إلى أن الأيام التي تلي تشرين الثاني ستكون فترة “ترسيم جيوسياسي” حاد. لن يكون هناك تراجع إقليمي كامل، ولا حرب شاملة، بل “احتواء عنيف” ومستمر يهدف إلى تغيير قواعد اللعبة على الحدود، وتحويل لبنان إلى منطقة “مراقبة دولية فاعلة”. وتنعكس هذه التطورات على الساحة الدولية حيث من المتوقع أن تدعم الولايات المتحدة ضمنياً عمليات إسرائيل التي تهدف لـ “تقليص القدرات”، بينما سيكثف الاتحاد الأوروبي وفرنسا الضغط لـ توسيع صلاحيات ومهام اليونيفيل، وسيعمل المحور الإقليمي العربي على تقديم “حوافز اقتصادية” مشروطة بـ “فك الارتباط” الأمني والسياسي عن المحور الإيراني، فيما ستدين طهران وموسكو أي عمل عسكري واسع. القرار الإقليمي (الإيراني وحلفائه ) وليس اللبناني، هو من سيحدد مدى “استيعاب الضربة الإسرائيلية المحتملة”، مما يضع لبنان بشكل نهائي على خط تماس محاور إقليمية تتجاوز فيها المكاسب والخسائر حدود الدول. وبذلك، فإن الأجواء الباردة التي ستأتي مع كانون الأول، لن تُنهي “الصيف السياسي” إلا بحسم استراتيجي يفتقر لبنان إلى أدوات صنعه.

https://hura7.com/?p=69862

الأكثر قراءة