الثلاثاء, فبراير 17, 2026
17.4 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ نواميس العصبية الشبكية

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم: علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي ترحيني

تتجلى في أفق اللحظة الراهنة ملامح تآكلٍ لا يخطئه حدس اللبيب، حيث يعيد الزمن صياغة حركته الدؤوبة في فضاء الكيانات الحديثة، ليس بوصفها حدثاً عابراً، بل بوصفها تجلياً لنواميس كونية تحكم نهوض الجماعات وانحدارها. إن القراءة العميقة في صيرورة المجتمعات المعاصرة تفرض علينا استحضار تلك الرؤية الثاقبة التي صاغها العلامة ابن خلدون حول مفهوم العصبية، ومزاوجتها مع النظرة الشمولية لأوزوالد سبنغلر الذي رأى في الحضارات كائنات حية تولد وتزدهر ثم تذبل حين تفقد روحها الوثابة. إننا اليوم نشهد مخاضاً كلياً، حيث لم تعد العصبية مجرد رابطة دم أو قرابة قبلية في فضاء مادي، بل تحورت لدى سائر التكتلات البشرية إلى ما يمكن تسميته عصبيات رقمية ووشائج شبكية تتجاوز حدود الجغرافيا، لتعيد رسم خارطة القوة والولاء بعيداً عن المركزية التقليدية للدولة التي باتت تواجه تحدي البقاء والفاعلية في ظل التحولات الكونية الكبرى.

إن جوهر الأزمة في النظم السياسية المعاصرة، في سياقها الفلسفي الأوسع، يكمن في الفجوة المتسعة بين بنية الدولة المؤسسية وبين حيوية الجماعات التي تفتش عن أمنها الوجودي في رحاب الانتماءات الفرعية. هنا يتجلى ابن خلدون من جديد؛ فالعصبية هي تلك القوة الدافعة التي تمنح الجماعة قدرتها على التماسك والاستمرار، وحين تضعف قدرة المراكز السياسية على صهر هذه العصبيات في بوتقة الهوية الجامعة، فإن هذه القوى ترتد تلقائياً إلى أصولها البنيوية، باحثة عن فضاءات موازية تحمي كينونتها من مآلات التلاشي. وفي هذا العصر، أضحت التكنولوجيا منصة لتعزيز هذا التماسك الفئوي؛ فالفرد، أينما كان، بات يجد في “القبائل الرقمية” فضاءً يوفر له التنظيم والقدرة على التأثير في ظل تراجع الأدوار الناظمة للمراكز التقليدية.

وعند فحص الجانب الاقتصادي لهذه الصيرورة، نجد أن تحول بنية القوة المالية قد شمل مختلف مستويات التجمعات البشرية؛ إذ لم يعد الاقتصاد المركزي هو الملاذ الوحيد، بل حلت محله اقتصادات الشبكة العابرة للمنظومات الرسمية. هنا تبرز المقارنة العميقة: فإذا كان ابن خلدون قد ربط بقاء الدولة بقدرتها على جباية الموارد والتحكم في الخراج لتمويل العصبية وحفظ الاستقرار، فإن الواقع المعاصر يشير إلى نشوء “نظم مالية شبكية” تدير مواردها بمعزل عن الرقابة المركزية التقليدية. لقد تشكلت كيانات اقتصادية موازية تعتمد على سلاسل القيمة الرقمية والتدفقات النقدية غير المنظورة، مما جعل هذه العصبيات الحديثة تمتلك قدرات معيشية وتنظيمية تتجاوز في فاعليتها أداء المؤسسات الرسمية في لحظات تأزمها. إن الاقتصاد هنا لم يعد وحدة صلدة تحتكرها الدولة، بل أضحى مجموعة من الدوائر المالية المكتفية ذاتياً، حيث تستخدم الجماعات أدوات التبادل التقنية لتأمين استقرارها الوجودي، مما يؤدي إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة المالية من الأحادية المركزية إلى التعددية الشبكية العابرة للحدود.

إن هذه الصيرورة لا تنفك عن الرؤية السبنغلرية التي تتنبأ بغروب الأنماط الحضارية حين تفقد المدن الكبرى دورها كمرجع قيمي وروحي جامع. إننا نشاهد تحول المراكز من كونها ناظمة للوحدة الإنسانية إلى مساحات تتزاحم فيها الرؤى الفئوية التي تتغذى على تراجع العقد الاجتماعي الشامل. إن هذا التحول هو انعكاس لانطفاء الشرارة الحيوية التي كانت تجمع التناقضات في وحدة متوازنة. إن الكيانات في العالم المعاصر تعيش اليوم لحظة الحقيقة؛ فهي إما أن تبتكر صيغاً جديدة للوجود تتجاوز الأطر التقليدية، أو أن تنجرف في تيار التحولات التي تسبق تشكل نظام إنساني جديد تماماً.

لقد غدت اللغة في هذا السياق ساحة للفهم المتجدد، فهي أفق مفتوح لا يحده مركب أو إطار، وهي المدخل لفك شفرات هذا التفكك في النسيج الاجتماعي التقليدي لصالح شبكات عابرة للحدود، حيث يلتقي الانتماء الفطري بالقدرة التقنية والاقتصادية ليشكلوا معاً أنظمة دفاعية ووجودية مستقلة. إن منتظر ساعة الإشراق الذي يتطلع إلى أفق إنساني جديد، يدرك أن الاستنهاض لا يكون بمحاولة ترميم الهياكل المنقضية، بل بفهم الروح التي تجعل من التعددية والشبكية قوة إثراء لا عامل تفتيت. إن التاريخ يخبرنا بوضوح أن الكيانات تذبل عندما تعجز فلسفتها عن استيعاب التحولات النوعية في طرق عيش وتفكير الإنسان المعاصر.

وبالنظر إلى التجربة اللبنانية، نجدها المختبر الأبرز لهذه التحولات الكونية؛ فما يشهده لبنان ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو النموذج الصارخ لتصادم الدولة التقليدية مع العصبيات الشبكية المتأهبة. إن القارئ اللبناني، وهو يرقب تلاشي المركزية، مدعوّ لإدراك أن خلاص الكيانات لا يكون بالانكفاء داخل جزر مالية أو تقنية معزولة، بل بتحويل هذه العصبيات الحيوية إلى طاقة بناء تخدم عقداً اجتماعياً جديداً يزاوج بين الحداثة الرقمية والرسالة التاريخية. إن لبنان يمتلك فرصة فريدة ليكون رائد “العبور نحو المستقبل” إذا ما استطاعت نخبته استثمار هذه الشبكات العابرة للحدود لصناعة اقتصاد وطني مبتكر يتجاوز عثرات الماضي، ويجعل من التعددية وسيلة للارتقاء الحضاري لا أداة للهدم الذاتي.

إننا بحاجة إلى فكر نقدي ينظر إلى التحولات الراهنة بصفتها مختبراً لسيادة “النواميس” التاريخية على الإرادات البشرية القاصرة؛ فالمراكز حين تفقد ناظمها القانوني والأخلاقي، تصبح ساحة لتدافع العصبيات التي تبحث عن مراكز قوة بديلة. إن العبور الحقيقي نحو الوجود الفاعل يتطلب فهم أن الشبكة، رغم فاعليتها الاقتصادية، تظل وسيلة وليست غاية، وأن القدرة على التنظيم المالي المستقل لا تغني عن الحاجة إلى أفق قيمي رحب يجمع هذه الشتات في رؤية حضارية موحدة. إن الصراع القائم عالمياً هو صراع بين أنماط وجودية قديمة تتلاشى وأخرى تقنية مادية تتشكل، مما يضعنا أمام سؤال المصير: كيف يمكن للروح الإنسانية أن تحتفظ بجوهرها في ظل سيادة “عصبيات رقمية” قد تفتقر إلى البعد الأخلاقي الجامع؟

إن الفلسفة التي تحكم هذا المقال تنبثق من أن الوعي بسنن التاريخ هو الخطوة الأولى للمستنهض للهمة. ففهم آليات عمل العصبية في عصر التدفق المعلوماتي والمالي هو ضرورة كونية، بعيداً عن الرؤى الضيقة التي لا تلامس جوهر التحول الاقتصادي والاجتماعي. إن المجتمعات تواجه اليوم قدرها في أن تكون طليعة لاختبار أشكال جديدة من التنظيم البشري، حيث تتصادم أدوات العصر الحديث مع الرواسب الفكرية العتيقة في مخاض تاريخي يتطلب بصيرة نافذة وقراءة مغايرة للواقع.

وفي الختام، يظل الرهان معقوداً على العقل الإنساني الذي يرفض الركون إلى العدمية، ويصر على استنطاق النواميس الكونية لبناء مستقبل يتجاوز الانغلاق. إن العصبية الشبكية، رغم ما تحمله من ملامح الانقسام، تفتح آفاقاً جديدة للتواصل إذا ما وجهتها إرادة تدرك أن مصير الإنسان مرتبط بقدرته على ابتكار صيغ عيش تتسع للتنوع دون تفريط في الوحدة الجوهرية. إن الطريق نحو الاستعادة يبدأ من الاعتراف بأن التحولات الراهنة هي جزء من صيرورة كبرى تتطلب شجاعة في مراجعة المسلمات، وعمقاً في فهم قوانين الوجود، لعلنا نصل إلى صياغة أفق يضمن الكرامة والخلود في سجل الحضارة الإنسانية الواسع.

https://hura7.com/?p=73600

الأكثر قراءة