جريدة الحرة بيروت

بقلم : كارين القسيس مدونة الكاتبة كارين القسيس
يُثير الاصطفاف المتسرّع لبعض المدافعين عن البابا لاوون الرابع عشر، على خلفية مواقفه الأخيرة الداعمة لإيران ومواجهته للرئيس الأميركي دونالد ترامب، حفنةً من التساؤلات المشروعة حول طبيعة هذا الدفاع ودوافعه الحقيقية. إذ يبدو، بوضوح لا لبس فيه، أنّ هذا التأييد لا يستند إلى منطلقات دينيّة أو أخلاقيّة، بقدر ما يعكس تموضعاً سياسياً صرفاً، يتخفّى خلف عباءة الخطاب الروحي. وليس من قبيل المصادفة، أن يلتقي البابا مؤخراً بالمستشار السياسي السابق للرئيس الأميركي الأسبق باراك حسين أوباما (David Axelrod)، قبل أن تصدر عنه مواقف تتقاطع بشكل لافت مع أجندات سياسية معروفة.
فالمسيحيّة، في جوهرها، ليست دين تسويات على حساب الحقيقة، ولا خطاباً عاطفياً يُستدعى عند الحاجة لتبرير المواقف، إنّما قبل كل شيء، دعوة صريحة إلى نصرة الحق ومواجهة الظلم، وإلى الوقوف إلى جانب الإنسان في كرامته وحقوقه. وعليه، فإن أي انحراف عن هذا المسار، خصوصاً حين يصدر عن أعلى مرجعيّة في الكنيسة الكاثوليكيّة، لا يمكن اعتباره مجرد اجتهاد بقدر ما هو موقف يستوجب المساءلة الأخلاقية قبل السياسية.
فكيف يمكن تبرير مواقف تُفسّر على أنها تغاض، أو حتى تواطؤ غير مباشر، مع المحور الايراني المرتبط اسمه، في الوعي العام، بالخراب المنهجي، وباقتصاد الموت، وبشبكات العنف العابر للحدود؟ وكيف يُطلب من المؤمنين تقبّل هذا الخطاب، فيما تُختزل معاناتهم اليومية وتُهمش تضحياتهم تحت عناوين فضفاضة لا تلامس الواقع؟
ومن موقع المعاناة اللبنانية، يزداد هذا التناقض حدّة ووضوحاً. فلبنان، الذي دفع أثماناً باهظة عبر تاريخه الحديث، لم يكن يوماً في صدارة الاهتمام الفعلي لـ Vatican عند اشتداد الأزمات. أين كان الصوت الحاسم عام 1975 مع اندلاع الحرب؟ وأين كان الحضور الفاعل خلال المجازر التي حفرت جراحاً لا تندمل في الذاكرة الجماعية على غرار مجزرة القاع؟ وأين كان خلال حرب المئة يوم في الأشرفية، أو أثناء حصار زحلة، أو خلال مجزرة الدامور، أو في اللحظات التي اضطر فيها آلاف الشباب والشابات إلى التضحية بأملاكهم ومستقبلهم في سبيل التعليم، في ظل منظومة تعليمية ترتبط في جزء كبير منها بالمؤسسات الكنسية؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً، ولا محاولة للنيل من المرجعية الروحية، بل تعبير عن فجوة عميقة بين الخطاب والممارسة، بين الشعارات والوقائع، وبين ما يُفترض أن تمثّله الكنيسة، وما يُلمس على أرض الواقع.
نحن لا ننكر، بطبيعة الحال، المكانة الروحية للفاتيكان، ولا نقلّل من رمزيته الدينية الجامعة. غير أن هذه المكانة تحديداً تفرض عليه مسؤولية مضاعفة في الحفاظ على حياده، وعلى صدقيته الأخلاقية، بعيداً عن الاصطفافات السياسية التي تفقده دوره كمرجعية جامعة وتحوّله إلى طرف في نزاعات معقّدة.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المؤسسات الدينية هو أن تتحوّل، عن قصد أو غير قصد، إلى أدوات في لعبة المصالح الدولية، فتفقد بذلك ثقة الشعوب التي تلجأ إليها طلباً للعدالة والرجاء. فحين يشعر المؤمن بأن صوته غير مسموع، وأن آلامه لا تجد صدى، تبدأ المسافة بينه والمؤسسة بالاتساع، إلى حدّ القطيعة المعنوية.
واليوم، في ظل الانهيارات المتلاحقة التي يعيشها لبنان، لم يعد مقبولاً الاكتفاء بخطابات عامة أو مواقف رمادية، فالمصلحة الوطنية، التي تجمع اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم الدينية، يجب أن تكون البوصلة الوحيدة لأي موقف. وأي تقاطع مع هذه المصلحة يُرحَّب به، أما ما يتعارض معها، فيُواجه بالنقد الصريح، مهما كان مصدره.
في نهاية المطاف، الإيمان هو بمثابة علاقة فردية سامية بين الإنسان وربّه، لا يجوز توظيفها لتبرير خيارات سياسية أو تغطية انحيازات ظرفية. أما إدارة شؤون الحياة، فتتطلّب وضوحاً، وشجاعة في قول الحقيقة، والتزاماً فعلياً بقضايا الشعب، لا الاكتفاء برفع الشعارات. ومن هنا، فإن الدعوة إلى حياد الفاتيكان هي مطالبة مشروعة بالحفاظ على ما تبقّى من ثقة بدور يُفترض أن يكون أخلاقياً قبل أي شيء آخر.


