جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم: علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي ترحيني

تتشابك الجغرافيا والتاريخ في المشرق العربي لترسم قدراً محتوماً بين لبنان وسوريا، وهو قدر لم ينجح الاستقلال في فك ارتباطه، بل زاده تعقيداً مع مرور العقود. إن قراءة العلاقة بين هذين الكيانين تتطلب غوصاً في أعماق الجغرافيا السياسية، وتحديداً في منطقة البقاع والهرمل التي مثلت دائماً المرآة العاكسة لتحولات القوة والصراع.
منذ بزوغ فجر الكيانين في أربعينيات القرن الماضي، لم تكن الحدود بينهما مجرد خطوط وهمية على الخارطة، بل كانت رئات يتنفس منها الاقتصاد والسياسة والأمن، وظلت هذه الحدود في حالة سيولة دائمة، تتأثر بقوة المركز في دمشق وضعف الأطراف في بيروت. وفي المرحلة التي تلت الاستقلال، ساد منطق التوجس المتبادل، حيث سعت سوريا دائماً لاعتبار لبنان خاصرة رخوة لأمنها القومي، بينما حاول لبنان التمسك بكيان سياسي متميز وسط محيط مضطرب.
كانت منطقة البقاع في تلك الآونة تعيش حالة من التواصل الفطري، حيث لم تكن العائلات والقبائل تعترف بالحدود في تجارتها ومصاهراتها، غير أن هذا التواصل الطبيعي بدأ يتحول إلى مادة للتوظيف السياسي مع اندلاع الحروب الإقليمية، ودخول العمل المسلح العابر للحدود، مما حول البقاع من مخزن للغلال إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. ومع دخول الجيش السوري إلى لبنان في منتصف السبعينيات، دخلت العلاقة نفقاً مظلماً من التبعية القسرية، حيث استُخدمت منطقة البقاع والهرمل كقاعدة ارتكاز أمني وسياسي، ونشأ فيها اقتصاد ظل قائم على التهريب والممنوعات تحت غطاء أمني مشترك، مما أدى إلى تآكل مفهوم الدولة في وجدان أهل المنطقة واستبداله بسلطة الأمر الواقع.
لقد تسبب الإهمال الممنهج من قبل الدولة اللبنانية للأطراف في دفع سكان البقاع والهرمل نحو البحث عن حمايات بديلة، فوجدوا في العشائرية أولاً، ثم في الأحزاب العقائدية ثانياً، ملاذاً للأمن والمعيشة، وهذا الفراغ السيادي اللبناني سمح للنظام السوري السابق ومن بعده القوى المسلحة اللبنانية التي تحالفت معه، بتحويل المنطقة إلى خزان بشري وقاعدة إمداد لوجستي لا تعرف الحدود. ومع اندلاع الحرب السورية في عام ألفين وإحدى عشر، دخلت العلاقة منعطفاً هو الأكثر خطورة في التاريخ الحديث، حيث تحول التدخل العسكري تحت شعارات الحماية والإسناد إلى شرخ اجتماعي وعقائدى عميق. هذا التدخل لم يحطم الأطر السياسية فحسب، بل حطم النسيج الاجتماعي مع الجوار السوري، واستبدل علاقات الجيرة والتجارة بحالة من العداء الوجودي الذي غذته خطابات التخوين من جهة، وخطابات التكفير من جهة أخرى. إن التحولات الكبرى التي شهدها مطلع العام الحالي بسقوط النظام السوري التاريخي، تضعنا أمام استحقاق تاريخي غير مسبوق، إن ما كان يوصف بالعمق الاستراتيجي قد تداعى، تاركاً وراءه بيئة اجتماعية في البقاع تعيش حالة من القلق الوجودي وهواجس الانتقام.
وهنا يجب أن تكون القراءة مجردة ومسؤولة؛ فالمخاوف التي تعتري بعض المكونات اللبنانية من التغيرات في سوريا ليست مجرد توهمات، بل هي نتاج عقود من الصراع الدامي الذي استخدمت فيه لغة التكفير والإقصاء. لقد تعاملت بعض القوى التي سيطرت على المشهد السوري مع المكونات اللبنانية من منظور أيديولوجي ضيق، ووصمت طوائف بأكملها بصفات لا تترك مجالاً للعيش المشترك، لذا، فإن المصالحة المنشودة اليوم ليست مجرد تفاهمات سياسية عابرة، بل هي حاجة لمصالحة وطنية كبرى وشاملة تعيد تعريف العلاقة بين الفرد والدولة وبين الجار وجاره.
تقتضي المصلحة اللبنانية العليا اليوم الانتقال من منطق الساحة المفتوحة إلى منطق الدولة السيدة، إن استعادة البقاع والهرمل إلى حضن الشرعية اللبنانية ليس خياراً بل هو ضرورة لحماية السلم الأهلي. يجب أن تدرك القوى السياسية في البقاع، سواء كانت حزبية أو عشائرية، أن الرهان على المحاور الخارجية قد انتهى إلى طريق مسدود، وأن الضمانة الوحيدة للبقاء والاستقرار هي الاحتماء بمؤسسات الدولة اللبنانية وبجيشها الوطني.
إن حماية المواطن البقاعي من أي تهديد قد تشكله فرق متطرفة تتمركز في مناطق حدودية مع لبنان، يجب أن تكون مسؤولية حصرية للدولة اللبنانية عبر نشر قواتها المسلحة على طول الحدود، لتقابلها في الطرف الآخر قوى شرعية سورية تمثل سلطة الدولة المركزية في دمشق، إن هذا الوجود المتقابل للقوى الشرعية على ضفتي الحدود هو الكفيل وحده بإنهاء زمن السيولة الأمنية وتحويل الحدود من ممر للنزاعات إلى حاجز يحمي السيادة الوطنية لكلتا الدولتين. بموازاة ذلك، لا يمكن الحديث عن سيادة وطنية دون بسط سلطة الدولة اللبنانية الشاملة على كامل مناطق البقاع والهرمل، وتفعيل مؤسساتها المغيبة منذ عقود، إن المصلحة الوطنية تفرض إطلاق خطة تنمية متوازنة تعيد الاعتبار لهذه المناطق المهمشة، وتحولها من أطراف منسية إلى ركائز اقتصادية فاعلة.
إن شعور المواطن في البقاع والهرمل بحضور الدولة من خلال الخدمات والعدالة والمشاريع التنموية هو الرد الحقيقي على الأيديولوجيات العابرة للحدود، وهو الضمانة لعدم انزلاق المنطقة مجدداً نحو قوى الأمر الواقع، إن التنمية المتوازنة هي الوجه الآخر للأمن، وهي السبيل لتمكين النخب الوطنية والمستقلة من لعب دورها في بناء مجتمع محصن بفكره الوطني وأصالته اللبنانية.
في المقابل، فإن السلطة السورية الجديدة والقوى الدولية والإقليمية الداعمة لها، مطالبون بتقديم ميثاق أمان واضح يسقط لغة التكفير والعداء ضد المكونات اللبنانية، فلا يمكن بناء علاقة سليمة بين دولتين طالما ظلت إحداهما تنظر للأخرى كمنطلق للتهديد أو ككيان يجب تصفية الحسابات التاريخية فيه. إن المصالحة الحقيقية تتطلب شجاعة في الاعتراف بالخطأ من كافة الأطراف؛ فكما أن التدخل العسكري اللبناني في سوريا كان خطأ استراتيجياً، فإن تبني الفكر الإقصائي والتكفيري ضد اللبنانيين هو جريمة بحق التاريخ والجغرافيا.
يجب أن تبرز نخب وطنية مستقلة من قلب المعاناة البقاعية، تمتلك الجرأة لفتح قنوات حوار عاقلة بين اللبنانيين أنفسهم أولاً، ومع الجوار السوري الجديد عبر الدولة ثانياً، مرتكزة على مبادئ الجيرة والمصالح المشتركة والسيادة المتبادلة. إن استشراف المستقبل في ظل التوازنات الإقليمية الحالية، يحتم على لبنان انتهاج سياسة الحياد الإيجابي التي تعزل الساحة الداخلية عن صراعات المحاور، إن الصراع بين المشاريع الإقليمية العابرة للحدود يجب ألا يكون البقاع ساحته مرة أخرى. إن المصلحة تكمن في تحويل هذه المنطقة إلى منطقة تبادل تجاري وثقافي، حيث تسود سلطة القانون وتغيب سلطة الميليشيات، إن نجاح هذا التحول يعتمد بشكل أساسي على مدى قدرة الدولة اللبنانية على تقديم بديل تنموي وأمني حقيقي لأهل البقاع والهرمل، يغنيهم عن قوى الأمر الواقع.
إن الدروس القاسية التي تعلمها اللبنانيون والسوريون على حد سواء عبر العقود الماضية، تؤكد أن الأمن لا يمكن استيراده من الخارج، وأن الاستقرار لا يُبنى على أنقاض السيادة، إن سقوط الأوهام حول الحماية العابرة للحدود يجب أن يفتح الباب أمام عهد جديد من العلاقات القائمة على الندّية والاحترام المتبادل بين دولتين مستقلتين. إن البقاع والهرمل يقفان اليوم أمام فرصة تاريخية للانتقال من موقع المتراس إلى موقع الجسر، وهذا لا يتحقق إلا بوعي وطني يكسر قيود الخوف ويتبنى لغة الدولة والشرعية والمواطنة والتنمية، لتكون هذه المنطقة، كما كانت دائماً، قلب لبنان النابض بالحياة، لا ساحة لدفن الأحلام والرهانات الخاسرة. إن الطريق نحو المستقبل يبدأ بالاعتراف بالواقع الجديد، وبناء الجسور فوق أنقاض الماضي، لضمان حياة كريمة للأجيال القادمة في وطن يحترم أبناءه ويحمي حدوده بسيادة القانون والعدالة الاجتماعية. لقد حان الوقت لتدرك النخب الحاكمة في كلا البلدين أن الرهان على الأيديولوجيات الإقصائية هو رهان على الفشل، وأن الاستثمار في الإنسان والتنمية هو الطريق الوحيد للخروج من نفق الأزمات المظلم، ليبقى لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه، وتظل سوريا سنداً وجاراً يحترم الجغرافيا وقواعد القانون الدولي والسيادة اللبنانية الصرفة.


