جريدة الحرة بيروت
بقلم :كارين القسيس مدونة الكاتبة كارين القسيس
أثبتت التجربة اللبنانيّة، بكل ما راكمته من أزمات وانقسامات وحروب وتسويات، أنّ المعادلة الوطنيّة لا تُبنى بالإقصاء، وأنّ أي محاولة لفرض واقع سياسي يقوم على شطب مكوّن أساسي من المشهد سرعان ما ترتدّ على أصحابها وتنتج اختلالاً جديداً في التوازنات. فلكل شخصيّة سياسيّة تاريخها، ولكل حركة حيثيتها، ولكل مكوّن جمهوره وحضوره ودوره. وقد يختلف اللبنانيون جذرياً حول هذا الدور، وقد يرفضونه أو يعارضونه، وهذا جزء طبيعي من الحياة السياسيّة، لكن محاولة إلغاء أي مكوّن لا تنتج توازناً جديداً، بقدر ما تقود إلى اختلال أكبر، وتدفع الأطراف إلى مزيد من التصلب والاصطفاف.
ومن هنا، فإنّ ما يجري اليوم من حملة سياسيّة وهجوم متواصل على حركة “أمل” ورئيس مجلس النواب نبيه برّي يطرح علامات استفهام جدية حول الهدف والنتيجة إذ إنّ النقد السياسي حق لا جدال فيه، والاعتراض على أداء أي شخصية أو حزب أمر طبيعي ومطلوب، لكن هل تخدم هذه الحملة الهدف الذي يعلن أصحابها أنّهم يريدونه، أم أنّها تؤدي عملياً إلى نتيجة معاكسة تماماً؟
فإذا كان المطلوب مواجهة سلاح “حزب الله”، وتوسيع مساحة الدولة، وتعزيز حضور المؤسسات، فمن الصعب فهم المنطق الذي يدفع في الوقت نفسه إلى استهداف حركة “أمل” وإضعاف رئيسها، لأنّ إضعاف أي مكوّن سياسي داخل البيئة نفسها لا يعني بالضرورة إضعاف “الحزب”، بل قد يؤدي، بصورة غير مباشرة، إلى توسيع هامشه ونفوذه ولا سيما إذا أدى هذا المسار إلى دفع جزء من جمهور الحركة إلى الابتعاد عنها أو الانتقال سياسياً وشعبياً إلى موقع الحزب، كما يُروّج.
وهنا تكمن المفارقة في أن يتحوّل من يفترض أنهم يواجهون مشروع “حزب الله” إلى تقديم خدمة سياسيّة مجانيّة له، من حيث لا يريدون، أو ربّما من حيث لا يدركون.
منذ بداية الحرب، كان الرئيس برّي حاضراً في المشهد اللبناني من موقعه كرئيس لمجلس النواب، وليس فقط كرئيس لحركة “أمل”. وقد ركّز في مواقفه على منع الانزلاق إلى الفتنة الداخليّة، والحفاظ على السلم الأهلي من خلال ضبط الشارع الشيعي، وفتح مساحات للحوار والتفاهم في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى البلاد. وقد تتعارض مواقفه مع بعض القوى، وقد يرى البعض أنها غير كافية أو غير مناسبة، وهذا حق سياسي كامل، لكن تحويل الاختلاف إلى حملة تستهدف شخصه لا يغيّر حقيقة أنّ برّي يتحرّك ضمن موقع دستوري وسياسي لبناني بالغ الأهميّة.
وطبعاً، المطلوب ليس الدفاع عن برّي من باب العصبية السياسيّة، إنّما وضع الأمور في إطارها الصحيح. فمن حق أي لبناني أن ينتقده، ومن حق أي جهة سياسية أن تعارض قراراته ومواقفه، لكن ليس من مصلحة لبنان تحويل هذا الاعتراض إلى مشروع استهداف شامل لمكوّن سياسي موجود على الساحة منذ عقود، وله حضوره وجمهوره وتاريخه، خصوصاً في مرحلة بالغة السوء والخطورة يمر بها لبنان، حيث يفترض أن تكون هناك طريقة أكثر ذكاءً وواقعية لإدارة المرحلة بأقل قدر ممكن من الأضرار.
بل أكثر من ذلك، فإنّ من يريد مواجهة “حزب الله” سياسياً لا يستطيع أن يهاجم ويضع العصي في دواليب المكوّن الشيعي القوي والبارز، ولا أن يتعامل معه بمنطق “إمّا معنا أو ضدنا”. فهذه المقاربة قد تبدو سهلة في الخطاب السياسي، لكنها شديدة الخطورة في الواقع اللبناني، لأنّها قد تدفع نحو مزيد من الاصطفاف والتصلب، بدلاً من خلق مساحات وطنيّة قادرة على استيعاب الاختلاف وإدارة التباينات.
إذا كان الهدف تحجيم “حزب الله”، فلا يجوز أن تكون النتيجة تحجيم حركة “أمل” وفتح جبهة تصادميّة مع الرئيس برّي، لأنّ هذا الأمر قد يجعل “الحزب” المستفيد الأكبر. وإذا كان الهدف تقوية الدولة، فلا يمكن أن يكون الطريق إلى الدولة عبر إضعاف التوازنات السياسيّة التي تمنع احتكار الساحة من طرف واحد.
وللأسف، ليس كل من يرفع صوته ضدّ خصم ينجح بالضرورة في إضعافه، فأحياناً، وبسبب سوء تقدير سياسي واحد، قد يكون هو نفسه من يمنحه قوّة إضافيّة، ويغلق في وجهه المساحات التي كان يمكن أن تشكل توازناً داخل بيئته وتقتلع السرطان الذي ينخر في البيئة نفسها.


