جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني
تكتسب الجولة السادسة من المحادثات المباشرة التي احتضنتها العاصمة الإيطالية روما، برعاية دولية، أهمية استثنائية لكونها تمثل مرحلة الانتقال الفعلي من التفاهمات السياسية العامة إلى آليات التنفيذ الميدانية المباشرة لما بات يُعرف باتفاق الإطار الثلاثي الذي تم توقيعه في السادس والعشرين من شهر حزيران الماضي. ويهدف هذا المسار التفاوضي في جوهره إلى إنهاء النزاع المسلح عبر صيغة متكاملة تقضي بانسحاب العدو الإسرائيلي تدريجياً من الأراضي اللبنانية، يقابله انتشار منظم وممنهج للجيش اللبناني لفرض سيادة الدولة اللبنانية وحصر السلاح والمسؤولية الأمنية بالمؤسسات الرسمية وحدها.
غير أن هذه الجولة، ورغم ما تحمله من فرص وإيجابيات نظرية، تصطدم بجدار سميك من العقبات الميدانية والاشتراطات المعقدة، وتتزامن مع تصعيد عسكري غير مسبوق يشنه العدو الإسرائيلي لفرض إملاءاته التفاوضية بالنار والدمار على الساحة اللبنانية، مما يضع لبنان أمام منعطف سياسي واستراتيجي بالغ الحساسية والتعقيد يتطلب أعلى مستويات الحكمة والتنسيق الداخلي.
تتمثل أبرز الإنجازات والفرص التي أفرزتها مفاوضات روما في التوصل إلى صيغة وهيكلية عمل أولية لإطلاق نموذج المنطقتين التجريبيتين، كخطوة أولى واختبار ميداني عملي لمدى نجاح تلازم الانسحاب التدريجي للعدو الإسرائيلي مع تقدم وانتشار وحدات الجيش اللبناني. وتشير المعطيات التوفيقية المتاحة إلى أن النطاق الجغرافي المقترح لهذه التجربة النموذجية ينقسم إلى منطقتين؛ الأولى تقع ضمن الأراضي المحتلة وتتمثل في تقاطع زوطر الشرقية وزوطر الغربية، بينما تقع الثانية في منطقة غير محتلة تشمل بلدة فرون ومحيطها الجغرافي وصولاً إلى بلدة الغندورية.
ويحظى هذا الترتيب الميداني بمؤازرة ودعم مباشر من القيادة المركزية العسكرية الأمريكية التي تقرر الانتقال فوراً معها إلى محادثات تقنية موسعة عبر اجتماعات عسكرية مباشرة أو عبر تقنيات التواصل المرئي، بهدف وضع الخطط اللوجستية وتفكيك البنى التحتية العسكرية وتهيئة الأرضية لانتشار القوات المسلحة اللبنانية.
وفي هذا السياق، يبرز الموقف اللبناني متمسكاً بأسس السيادة الوطنية الكاملة، من خلال الإصرار على إسناد مهام التحقق والمراقبة الميدانية إلى طرف ثالث دولي يتمثل في قوات الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في الجنوب، رافضاً بشكل قاطع أي انفراد من جانب العدو الإسرائيلي أو الطرف الأمريكي في تقييم مراحل التنفيذ، لضمان النزاهة والالتزام بالاتفاقات الدولية.
وفي المقابل، واجهت جولة روما حزمة من العقبات والانقسامات الجوهرية التي تحول دون التطبيق السلس للاتفاق، وعلى رأسها غياب جدول زمني دقيق وملزم لبدء وانسحاب قوات العدو الإسرائيلي بشكل كامل، مما يثير مخاوف مشروعة لدى الجانب اللبناني من تحول هذه المناطق التجريبية المقترحة إلى واقع أمني وسياسي مستدام طويل الأمد يكرس الاحتلال تحت مسميات انتقالية.
كما يبرز الخلاف الحاد حول أولويات التنفيذ؛ إذ يضغط المفاوض اللبناني بقوة للبدء الفوري بالانسحاب من الأراضي المحتلة أولاً كإثبات لحسن النوايا، بينما يسعى العدو الإسرائيلي إلى بدء العملية من مناطق تقع تحت سيطرته النارية لاختبار قدرة الجيش اللبناني على ضبط الأمن ومنع المظاهر المسلحة قبل المباشرة بالانسحاب الفعلي. ويترافق ذلك مع تحديات داخلية ترتبط برفض قاطع من قوى المقاومة ومن رئيس مجلس النواب اللبناني لآلية المناطق التجريبية بصيغتها المطروحة، حيث يُنظر إليها كفخ لاستنزاف الوقت والالتفاف على الجوهر السيادي للاتفاق، فضلاً عن رفض شرط نزع السلاح الرابط بالانسحاب والذي يعتبره المكون المقاوم محاولة لفرض إملاءات سياسية تحت وطأة الضغط العسكري، مفضلاً الاعتماد على معيار الأقضية الإدارية كإطار جغرافي أوضح وأضمن للانسحاب والانتشار، في حين تبدي القيادات العسكرية الميدانية للعدو الإسرائيلي مماطلة مستمرة بانتظار القرارات السياسية الصادرة من تل أبيب.
وبالتوازي مع طاولة المفاوضات السياسية، تشهد الجبهة الجنوبية تصعيداً عسكرياً عنيفاً وممنهجاً يشنه العدو الإسرائيلي، وهو تصعيد لا يمكن فصله بحال من الأحوال عن مسار التفاوض في روما، بل يُستخدم بشكل علني كأداة ضغط بالنار لانتزاع تنازلات سياسية وأمنية. ويتبع العدو الإسرائيلي في هذا الإطار استراتيجية الأرض المحروقة عبر عمليات تفجير واسعة النطاق طالت المنازل والأحياء السكنية والبنى التحتية في بلدات الخيام، بيت ياحون، كفرتبنيت، ديرسريان، القنطرة، حولا، وكونين، بهدف تدمير البنية العمرانية والحياتية بشكل كامل لمنع عودة الأهالي والنازحين إلى قراهم، وبالتالي إطالة أمد الفراغ السكاني وتأخير الانسحاب بذريعة عدم تهيئة الظروف الأمنية الملائمة.
كما تعمد قوات العدو الإسرائيلي إلى منع عودة الحياة الطبيعية للمناطق المرشحة للانتشار من خلال تجريف الطرق الحيوية الواصلة بين بنت جبيل ومارون الراس واستهداف المدنيين بالرصاص الحي أثناء تفقد أراضيهم الزراعية في محيط مجدل زون والمنصوري، فضلاً عن تكثيف تحليق الطائرات المسيرة فوق العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية والقرى الحدودية لإيصال رسالة مفادها أن التفاوض يجري تحت التفوق الناري المطلق للعدو.
وتشير التقارير الأمنية والسياسية المسربة من داخل الأوساط الرسمية والإعلامية للعدو الإسرائيلي، ولا سيما عبر الصحافة العبرية، إلى أن حكومة العدو تتعامل مع مفاوضات روما وتطبيق اتفاق الإطار من خلال استراتيجية ثلاثية الأبعاد تعتمد على المماطلة الدبلوماسية، والاشتراطات التفاوضية التعجيزية، وتكريس حزام أمني في الميدان. ويتجلى البعد الميداني لهذه الاستراتيجية في تجنب الانسحاب السريع وتوجيه القيادة العسكرية لقواتها بالبقاء داخل الأراضي اللبنانية، مع السعي لفرض معادلة عشرة كيلومترات كمنطقة عازلة خالية تماماً من السكان والبنى التحتية لضمان أمن المستوطنات الشمالية، بالتوازي مع الإبقاء على الجهوزية العسكرية التامة للانتقال إلى هجوم بري واسع وعميق في حال انهيار الاتفاق.
أما البعد التفاوضي، فيركز على وضع الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة مع القوى المحلية من خلال اشتراط البدء بنزع السلاح كشرط مسبق للانسحاب، واختبار أهلية القوات المسلحة اللبنانية في القرى التجريبية ليكون أي إخفاق مبرراً للعدو لاستئناف عملياته البرية، وسط تسريبات عن مقترحات لتدريب وحدات لبنانية خاصة في دولة خارجية لتتولى مهام الأمن في الجنوب. وفي البعد الدبلوماسي، ينتهج رئيس وزراء العدو صيغة التفاوض تحت النار رافضاً وقف العمليات الجوية أو العسكرية بالتزامن مع المحادثات، مستفيداً من دعم أمريكي يهدف إلى فصل الملف اللبناني كلياً عن أي مسارات إقليمية أخرى، واستثمار الضربات العسكرية لفرض شروط تفاوضية أكثر صرامة في صياغة بنود الاتفاق النهائية.
أمام هذه الاستراتيجية المتكاملة للعدو الإسرائيلي، تتباين ردود الفعل الأمريكية واللبنانية بشكل حاد؛ حيث تدفع الإدارة الأمريكية بكل ثقلها الدبلوماسي والعسكري عبر قيادتها المركزية لضمان الانتقال السريع للمحادثات التقنية وتقديم الدعم اللوجستي للجيش اللبناني لإنجاح تجربة المناطق النموذجية، مع إبداء مرونة تجاه إشراك طرف ثالث دولي كحل وسط للعقد التفاوضية، وضغطها على تل أبيب لعدم تحويل بند نزع السلاح إلى عائق يجهض الاتفاق بالكامل. وفي المقابل، يقف لبنان بموقفه الرسمي والسياسي مدافعاً عن ثوابته السيادية، رافضاً منطق التفاوض تحت النار والابتزاز العسكري، ومطالباً بجدول زمني واضح ومحدد للانسحاب الشامل من الأراضي المحتلة كخطوة أولى إلزامية.
وفي الوقت الذي يحذر فيه رئيس مجلس النواب من مغبة تحول آليات المناطق التجريبية إلى عملية استنزاف زمنية طويلة، يبدي الجيش اللبناني جهوزيته اللوجستية الكاملة للانتشار والقيام بمهامه الوطنية في حفظ الأمن والسيادة فور اتخاذ القرار السياسي الرسمي، رافضاً في الوقت نفسه وضعه في موقع المواجهة الداخلية أو إخضاعه لشروط واختبارات يمليها العدو الإسرائيلي، بما يحفظ تماسكه الوطني ودوره كجامع لكل المكونات اللبنانية.
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة من الضغوط الميدانية والاشتراطات التعجيزية التي يفرضها العدو الإسرائيلي يتطلب صياغة رؤية وطنية موحدة ترتكز على مواجهة السيناريوهات المطروحة بروح من المسؤولية العالية والتنسيق الوثيق بين كافة المكونات اللبنانية. ويتجلى الحل العام في تعزيز مرجعية الدولة اللبنانية وبسط سيادتها واستقلالها من خلال تفعيل لغة الحوار الداخلي والتفاهم المشترك، والابتعاد الكامل عن لغة الاتهام أو الصراع الداخلي الذي لا يستفيد منه سوى العدو.
أما على الصعيد الخاص بمستقبل لبنان ومواجهة الأطماع الميدانية، فإن المخرج الحقيقي يكمن في التمسك بالشرعية الدولية المتمثلة في القرارات الأممية ذات الصلة، والإصرار على جدول زمني دولي ومضمون للانسحاب الشامل للعدو من كافة الأراضي اللبنانية دون قيد أو شرط، مع تعزيز قدرات الجيش اللبناني اللوجستية والعسكرية لتمكينه من أداء دوره السيادي كقوة وحيدة مسؤولة عن الأمن والاستقرار على كامل التراب الوطني، بالتكامل مع دور قوات حفظ السلام الدولية، لقطع الطريق على محاولات العدو الرامية إلى تكريس مناطق عازلة أو تحويل الإجراءات المؤقتة إلى واقع دائم يهدد سلامة ووحدة لبنان.


