الأكثر قراءة

لبنان: مناورة الأسرى بين مطرقة النار ومقصلة السلاح

جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم: علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي ترحيني

يعيش لبنان اليوم في قلب عاصفة جيوسياسية لا تهدأ، حيث تتشابك خيوط الأمن والسيادة والإعمار في عقدة واحدة تستعصي على الحل.

فبينما يكثف المحتل الإسرائيلي غاراته على الجنوب والبقاع، مثبتاً استراتيجية “الفصل بين التفاوض والقصف” لتحسين شروطه السياسية، تترسخ قناعة دولية بأن أي استقرار مستقبلي، بل أي دعم اقتصادي أو تمويل لإعادة الإعمار، مرهون بـ “حصرية السلاح بيد الدولة” وإنجاز الإصلاحات.

 بيروت في موقع “المفاوض تحت النار”

هذه المعادلة تضع بيروت في موقع “المفاوض تحت النار”، حيث تلوح التهديدات الإسرائيلية بشن عملية عسكرية واسعة النطاق لمنع “حزب الله” من استعادة قدراته أو الانضمام لمواجهة إقليمية محتملة مع إيران، التي تستمر الولايات المتحدة في ملاحقة شحناتها العسكرية في عرض البحار لمنعها من إعادة بناء ترسانتها الصاروخية.

وفي مواجهة هذا الضغط، يتمسك “حزب الله” بمعادلة وطنية لا تقبل التنازل المجاني، مؤكداً عبر نوابه أن أي بحث في سلاح المقاومة يجب أن يأتي فقط بعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل، ووقف العدوان، واستعادة الأسرى اللبنانيين، وبدء الإعمار.

هذا الشرط المتبادل يعكس الانقسام العميق داخل الساحة اللبنانية، حيث تدعو القوى “السيادية” إلى اغتنام اللحظة الدولية لتقوية الجيش واستعادة سلطة الدولة على كامل التراب، محذرة من أن “إدارة الوقت الضائع” ستجر البلاد إلى انهيار أوسع.

وتتجلى وطأة هذا الصراع في الملفات الإنسانية والسياسية، فملف الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية يتحول إلى اختبار لصدقية الدولة، رغم نفي الرئيس جوزيف عون لوجود التزام مسبق حول السلاح.

وفي الوقت نفسه، تنخرط الدولة في عملية إعادة إعمار الجنوب بتمويل حكومي “زهيد” لا يتجاوز التسعين مليون دولار، جاء تحت ضغط “الثنائي الشيعي” ليغطي جزءاً بسيطاً من فاتورة دمار تقدر بمليارات الدولارات، في ظل تعليق القروض الدولية.

هذه الأجواء الأمنية والمالية المتفجرة تلقي بظلالها على الاستحقاقات الدستورية، إذ يُرجح تأجيل الانتخابات النيابية، التي يصر جزء من المجتمع الدولي على أنها يجب ألا تُجرى تحت سطوة السلاح غير الشرعي.

ورغم هذه التعقيدات، تتواصل جهود التهدئة الإقليمية، فمصر تكثف حراكها الدبلوماسي عبر زيارة رئيس وزرائها المرتقبة إلى بيروت، في محاولة لخلق “زخم” يجنب لبنان شر الحرب.

وبينما يبدو أن واشنطن تميل حالياً نحو مقاربة “احتواء السلاح” بالتدرج والربط المشروط للمساعدات العسكرية للجيش، يظل لبنان عالقاً بين ثلاثة خيارات غير مثالية: إما الدخول في تسوية تفرضها القوة العسكرية والضغوط الدولية، أو الانزلاق إلى حرب شاملة قد تعيد رسم خريطة المنطقة، أو الاستمرار في هذا “اللاحرب واللاسلم” الذي يستنزف اقتصاده وسيادته يوماً بعد يوم.

https://hura7.com/?p=71825

الأكثر قراءة