الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان: نفطٌ رهينٌ.. تسوياتٌ مُرّة

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

الجغرافيا التي لا ترحم

بينما يغوص لبنان في واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية في التاريخ الحديث، يبرز ملف الطاقة كطوق نجاة افتراضي، لكنه في الحقيقة تحول إلى “قفل جيوسياسي” موصد. إن القراءة العميقة للمشهد اللبناني لا تنفصل عن صراع الطاقة في شرق المتوسط؛ فما يحدث اليوم ليس مجرد نزاع حدودي، بل هو عملية إعادة هندسة شاملة للدولة، لوظيفتها، ولموازين القوى فيها، حيث يتقاطع “دخان الحروب” مع “رائحة النفط” في معادلة صفرية تتحكم بها القوى العظمى.

أولاً: استراتيجية “الأرض المحروقة” اقتصادياً ولوجستياً

لم يكن سقوط النظام المصرفي اللبناني مجرد خطأ تقني في إدارة السياسة النقدية، بل بدا في جوهره كقرار دولي برفع الغطاء عن “النموذج اللبناني” القديم. هذا الانهيار المالي الممنهج جرد الدولة من سيادتها الاقتصادية، وجعلها رهينة للمؤسسات الدولية المشروطة بتنازلات سياسية.
بالتوازي، جاء انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020 ليوجه ضربة قاضية لـ “الرئة اللوجستية” للبلاد. إن تدمير المرفأ في توقيت بدأت فيه عمليات التنقيب في “البلوك رقم 4” (الذي أُعلن لاحقاً عن نتائجه السلبية بشكل يثير الريبة التقنية)، لم يكن صدفة أمنية فحسب، بل كان تحييداً لدور لبنان كقاعدة خدمات نفطية لصالح موانئ إقليمية منافسة. لقد أُريد للبنان أن يدخل نادي النفط “عريان الصدر”، بلا بنك يحمي ثروته، ولا مرفأ يصدر إنتاجه.

ثانياً: غياب “العملاق الأمريكي” وفيتو الشركات

تطرح التساؤلات حول غياب الشركات الأمريكية الكبرى عن البلوكات اللبنانية، رغم تهافتها على الحقول الإسرائيلية القريبة. الحقيقة أن واشنطن تفرض “فيتو صامتاً”؛ فهي تدرك أن النفط هو الورقة الأخيرة في يد الدولة اللبنانية. إن إحجام الاستثمارات الأمريكية والنتائج “المخيبة” في البلوك 9 (حقل قانا) ليست قدراً جيولوجياً بالضرورة، بل هي نتيجة لقرار سياسي يربط “الاستخراج” بـ “الاستقرار الأمني الشامل”.
▪︎ الرسالة الأمريكية واضحة: لن تبدأ ماكينات الحفر في العمل الفعلي والمستدام ما لم يصبح لبنان جزءاً من منظومة أمنية تضمن عدم تهديد المصالح الطاقوية الإسرائيلية والغربية في المنطقة.

ثالثاً: معادلة “الأمن مقابل الثروة” وقيادة الجيش

في ظل ترهل السلطة السياسية، برز العماد جوزيف عون كقناة وحيدة موثوقة دولياً وعربياً. وبدفع من “اللجنة الخماسية” وضغط أمريكي، بدأت مفاوضات ترتيبات أمنية مباشرة (عبر الوسيط الأمريكي) يقودها الجيش. هذا المسار يتجاوز “ترسيم الحدود” ليشمل:

▪︎ تأمين المنصات: خلق بيئة أمنية تضمن سلامة الاستثمارات المليارية للشركات العالمية.

▪︎ تعديل الواقع الميداني: فرض ترتيبات في الجنوب اللبناني (مناطق عازلة أو تراجع عسكري) ينهي حالة السلاح خارج إطار الدولة الذي يهدد أمن إسرائيل.

▪︎ النفط كـ “جزرة” للترويض: ربط تدفق الغاز اللبناني بمدى التزام المؤسسة العسكرية والأمنية بهذه الترتيبات.

رابعاً: “الفخ” الديموغرافي وتفكيك المكونات

يرتبط الصراع في الجنوب اللبناني بمشروع “هندسة الجغرافيا”. إن التدمير الممنهج للقرى الحدودية يهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي قسري يسهل مستقبلاً فرض “المنطقة العازلة”. هذا التغيير لا يهدف فقط لحماية إسرائيل، بل لخلق “فراغ بشري” يقلل من مخاطر الاحتكاك مع المنشآت النفطية البحرية والبرية.

وهنا يبرز التحدي الداخلي الأكبر: المكونات الطائفية الأساسية (وتحديداً الثنائي الشيعي) تشعر بأنها مستهدفة بهذه الترتيبات. غياب “الضمانات” الواضحة لهذه المكونات حول حصتها في السلطة الجديدة (في ظل حديث عن تغيير النظام أو تعديل التوازنات) يدفعها للتمسك بسلاحها كـ “تأمين” وحيد. هذه القوى لن تقبل بمرور “الاتفاق الأمني” لجوزيف عون ما لم تُثبّت حصصها في “كعكة النفط” وفي بنية النظام السياسي عبر “دوحة 2” أو مؤتمر تأسيسي يكرس موازين القوى الجديدة.

خامساً: خلاصات ومؤشرات جوهرية

لبنان اليوم هو المختبر الأكثر خطورة لـ “دبلوماسية الطاقة” في العالم. وتبرز الحقائق التالية كمؤشرات للمستقبل:

▪︎ اتفاق الترسيم (2022) كان “هدنة طاقوية” وليس حلاً نهائياً، والواقع الحالي يثبت أن الاستخراج لن يبدأ فعلياً دون “سلام أمني” (وليس بالضرورة ديبلوماسياً) متكامل.

▪︎ السيادة النفطية أصبحت “عملة مقايضة”؛ حيث يُقايض لبنان حقه في الاستخراج مقابل التخلي عن عناصر قوته العسكرية.

▪︎ التنافس الإقليمي يجعل من لبنان مجرد حلقة في سلسلة “ممرات الطاقة”؛ فإما أن يكون معبراً آمناً أو ساحة لتعطيل مصالح الآخرين، والخيار الثاني يعني بقاء النفط تحت القاع إلى الأبد.

■ الحوار المستحيل أم الانفجار المحتوم؟

إن إحكام القوى السياسية والطائفية قبضتها على الداخل، مع وجود “فيتو خارجي” خانق، يجعل من الحل الداخلي وهماً. لبنان يتجه نحو “تسوية فرض” تقودها القوى العظمى، حيث يكون النفط هو “الثمن” والترتيبات الأمنية هي “المقابل”.

■يبقى التساؤل الجوهري: هل يستطيع لبنان العبور إلى نادي الدول النفطية بـ “هوية وطنية موحدة”، أم أن النفط سيكون المسمار الأخير في نعش الصيغة اللبنانية القديمة، ليرتفع فوق ركامه نظام جديد بُني على أنقاض المرفأ والمصرف والسيادة؟

■ الحقيقة المرة هي أن “توقيت” الاستخراج لم يعد في بيروت، بل في عواصم القرار التي قررت أن لبنان لا يستحق نفطه إلا إذا “دفع الثمن” أمنياً وسياسياً بالكامل.

https://hura7.com/?p=77943

الأكثر قراءة