جريدة الحرة برلين ـ بيروت

بقلم جاسم محمد، باحث في الأمن الدولي والإرهاب ـ بون مدونة الكاتب جاسم محمد
لم يعد الحديث عن استعادة الدولة في لبنان مجرد مطلب سياسي تتداوله القوى الداخلية أو المجتمع الدولي، بل أصبح استحقاقاً تفرضه المتغيرات الإقليمية والداخلية في آن واحد. فبعد سنوات من الانهيار الاقتصادي والشلل السياسي والحروب المتكررة، يقف لبنان أمام فرصة قد تكون الأهم منذ اتفاق الطائف لإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة وترسيخ مبدأ احتكارها للقرارين الأمني والعسكري.
“أن حصرية السلاح بيد الدولة تمثل “مسارا لا رجعة فيه”
منذ انتخاب الرئيس جوزيف عون في يناير 2025 وتكليف رئيس الحكومة نواف سلام، برز خطاب سياسي يركز على إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة ثقة اللبنانيين والمجتمع الدولي. فقد أكد الرئيس عون، في تصريحات بتاريخ 13 يونيو 2026، أن لبنان يقف أمام خيار واضح: إما دولة ذات سيادة تحتكر السلاح وتمارس سلطتها على كامل أراضيها، أو استمرار واقع يحد من قدرة الدولة على أداء وظائفها. ويعكس هذا الموقف إدراكا متزايدا بأن بناء الدولة لا يمكن أن يكتمل في ظل تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري.
وشدد رئيس الحكومة نواف سلام، في الرابع من مايو 2026، على أن حصرية السلاح بيد الدولة تمثل “مسارا لا رجعة فيه”، مع التأكيد على أن تنفيذ هذا الهدف ينبغي أن يتم ضمن رؤية وطنية تحافظ على الاستقرار وتجنب البلاد أي انقسامات داخلية. ويعكس هذا الطرح مقاربة أكثر واقعية، تربط بين تعزيز مؤسسات الدولة وبين الحفاظ على السلم الأهلي.
ولا يخفي حزب الله تمسكه بموقفه الرافض لأي ضغوط خارجية تتعلق بسلاحه. فقد أعلن أمينه العام نعيم قاسم، في الخامس من أغسطس 2026، رفضه للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، معتبراً أن أي تنازل في هذا الملف يجب ألا يأتي على حساب ما يصفه الحزب بعناصر القوة والردع. ويؤكد هذا الموقف أن ملف السلاح سيبقى من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا في المرحلة المقبلة، وأن معالجته لن تكون ممكنة إلا من خلال توافق لبناني واسع يحافظ على وحدة الدولة ويجنب البلاد مزيدًا من الانقسام.
وتكتسب المفاوضات التي تستضيفها روما بين لبنان وإسرائيل، بوساطة أمريكية، أهمية خاصة، ليس فقط لما قد تحققه من ترتيبات أمنية على الحدود الجنوبية، بل لأنها تمثل اختبارًا لقدرة الدولة اللبنانية على إدارة الملفات السيادية عبر مؤسساتها الرسمية، بعيدًا عن تعدد قنوات القرار. فنجاح هذه المفاوضات قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار، ويمهد لاستئناف مسار الإصلاحات الاقتصادية واستعادة ثقة المجتمع الدولي. قد تكون اللحظة الحالية منذ سنوات لإطلاق مشروع وطني يعيد للدولة اللبنانية دورها الطبيعي، مستفيداً من رغبة اللبنانيين في الخروج من دوامة الأزمات.


