
جريدة الحرة بيروت
بقلم علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني
تفرض التحولات البنيوية في المشهد الإعلامي اللبناني إعادة قراءة شاملة لمنطق العلاقة بين سلطة القرار والمتلقي، حيث لم تعد المعلومة مجرد مادة منقولة، بل أصبحت تفاعلاً لحظياً يشكل الوعي الجمعي ويوجه المسارات الوطنية. إن الاعتماد المتزايد على المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في نقل الأحداث الكبرى، لا سيما في اللحظات الأمنية والسياسية الحرجة، أدى إلى بزوغ نمط جديد من الإعلام يتسم بالآنية وتداخل الأدوار بين التغطية المهنية والمبادرة الفردية. هذا الواقع يضع الدولة ومؤسساتها أمام تحدي الحفاظ على الرواية الرسمية الرصينة في مواجهة تدفق المعلومات العابر للحدود والضوابط التقليدية، مما يستوجب بناء استراتيجية إعلامية وطنية ترتكز على الشفافية والسرعة لضمان استقرار الرأي العام وحمايته من التضليل أو الاستقطاب الحاد.
بيد أن هذا الانفتاح الرقمي أفرز ظواهر لغوية هجينة، تمثلت في جنوح الخطاب الإعلامي نحو مستويات تفتقر إلى أدنى معايير القيمة الأخلاقية والمهنية. لقد باتت اللغة المستخدمة عبر الفضاءات المفتوحة ملوثة بعبارات السباب والشتم، مما يعكس حالة من الانحدار في أدبيات التخاطب العام، ويحل مكان الحوار العقلاني لغة الاستخفاف والاتهام. إن هذا الانفلات اللفظي لا يمثل مجرد أزمة ذوق عام، بل هو تعبير عن روح المكابرة والتعصب التي تعيق أي تقارب وطني حقيقي، حيث تُستغل المفردات لتقزيم الآخر والتقليل من شأنه، مما يغذي بذور التخلف الفكري والاجتماعي. إن خطورة هذه اللغة تكمن في قدرتها على هدم جسور الثقة بين المكونات الوطنية، وتحويل المنصات الإعلامية من أدوات تنوير إلى معاول للهدم النفسي والمعنوي.
وفي هذا السياق، برز استخدام مفرط ومضلل لمفهوم “الوطنية”، حيث تحولت هذه القيمة السامية إلى لافتة فضفاضة يرفعها الجميع ويفسرها كل طرف بما يخدم مصالحه الضيقة أو أجنداته الإعلامية. إن تقزيم الآخر باسم الوطنية يعد خروجاً عن مقتضيات العيش المشترك، إذ يتم توظيف الخطاب الوطني كأداة للممالقة أو للإقصاء، مما أدى إلى غياب “اللغة الوطنية المعيارية” التي يجب أن تشكل الناظم الأخلاقي لأي مساهمة إعلامية. إن الوطنية الحقيقية في الإعلام لا تُقاس بحدة الهجوم على الشريك في الوطن، بل بمدى القدرة على صياغة خطاب جامع يحترم كرامة الإنسان ويعزز من هيبة الدولة وسيادتها، بعيداً عن الاستعلاء اللفظي أو الادعاء الحصري للحق والولاء.
على الصعيد المؤسساتي والسياسي، يتطلب الواقع اللبناني تحديثاً جذرياً في المفاهيم الناظمة للإعلام لتواكب التطور الرقمي مع الحفاظ على جوهر المسؤولية المهنية. إن غياب الأطر الواضحة للإعلام الجديد يفتح المجال أمام اضطراب المعلومات الذي قد يمس بمصالح الوطن العليا. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى التزام وطني جامع يضع مصلحة لبنان واستقراره فوق أي اعتبارات فئوية ضيقة، ويستبدل لغة الصدام بلغة التفاهم والتنسيق. إن التحول من مجرد نقل الحدث إلى صناعة الوعي الوطني الرصين هو الكفيل بإعادة التوازن إلى الساحة اللبنانية، حيث تصبح المنصات الرقمية جسوراً للتواصل المعرفي، لا ميادين للتراشق الذي يستنزف الطاقات ويشتت الجهود الرامية لبناء الدولة القوية القادرة على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية تحت مظلة الدستور والقانون.
اجتماعياً، يلعب الإعلام الجديد دوراً حاسماً في صياغة التوجهات العامة تجاه قضايا النزوح، وإعادة الإعمار، والتعافي الاقتصادي. إن التأثير اللحظي للصور والمواقف عبر الفضاء الرقمي يتطلب وعياً مجتمعياً قادراً على تمييز الحقائق وسط ضجيج المنصات. إن التماسك الاجتماعي اللبناني يواجه اختباراً دقيقاً أمام سرعة انتشار الخطابات التي قد تثير الحساسيات، وهو ما يستدعي مبادرات وطنية تعزز قيم المواطنة والتمسك بالثوابت التاريخية للكيان. إن الحل يكمن في خلق بيئة إعلامية تشاركية، يسهم فيها المواطن بوعيه والمؤسسة بمهنيتها والدولة بضوابطها السيادية، لتشكيل رأي عام مستنير يساند مسيرة النهوض الوطني ويحمي لبنان من أي اهتزازات قد تهدد استقراره الداخلي.
بناءً على ما تقدم، تتبلور آفاق الحل في ضرورة اعتماد نهج وطني شامل يقوم على ركائز أساسية:
▪︎ أولاً، مأسسة العلاقة بين التدفق الرقمي وأجهزة الدولة لضمان صدقية المعلومات ومنع الشائعات من تقويض الثقة العامة.
▪︎ ثانياً، استعادة اللغة الوطنية المعيارية كشرط أساسي للممارسة الإعلامية، ترفض الإساءة والتقزيم وتلتزم بالاحترام المتبادل.
▪︎ ثالثاً، إطلاق سياسات وطنية تهدف إلى رفع مستوى الوعي المجتمعي حول التعامل مع المحتوى الرقمي بمسؤولية وطنية تامة.
▪︎ رابعاً، تعزيز الاستقلال المهني للمؤسسات الإعلامية اللبنانية لتمكينها من أداء دورها كحارس حقيقي للمصلحة العامة بعيداً عن التبعية.
إن مستقبل لبنان مرتبط بقدرتنا على إدارة هذا الفضاء الرقمي بروح التفاهم والحرص المشترك، لتكريس الدولة كمرجعية وحيدة وحامية للجميع، بما يضمن العبور نحو مرحلة من الاستقرار المستدام والسيادة الناجزة.


