الأكثر قراءة

لبنان والفاتيكان: زيارة البابا ليون الرابع عشر… عودة الروح إلى “رسالة الشرق”

جريدة الحرة بيروت

بقلم : أسطيفان يلدز

لبنان والفاتيكان : زيارة البابا ليون الرابع عشر… عودة الروح إلى “رسالة الشرق”

في لحظة دقيقة يعيشها لبنان، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مشهد من الانهيار الطويل، جاء اللقاء الذي جمع البابا ليون الرابع عشر مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام ليعيد تسليط الضوء على موقع لبنان في وجدان الفاتيكان، ودوره كرمز للتعددية الدينية والثقافية في الشرق الأوسط.

استقبل الحبر الأعظم في القصر الرسولي بالفاتيكان رئيس الوزراء نواف سلام ونائبه طارق متري صباح السبت 25 أكتوبر 2025 ، في لقاء وُصف من قبل دار الصحافة التابعة للكرسي الرسولي بأنه ودي ومثمر. وتبع اللقاء اجتماع موسع ضم الكاردينال بيترو بارولين، أمين سرّ دولة الفاتيكان، والمطران بول ريتشارد غالاغر، أمين سرّ العلاقات مع الدول والمنظمات الدولية. لبنان

زيارة مرتقبة ورسائل دعم واضحة

أكد البيان الصادر عن الفاتيكان أن اللقاء تناول العلاقات الثنائية الممتازة بين لبنان والكرسي الرسولي، كما أعلن رسميًا عن الزيارة المرتقبة للبابا إلى لبنان بين 30 نوفمبر و2 ديسمبر 2025. الزيارة التي طال انتظارها منذ سنوات، تأتي كإشارة رمزية قوية على اهتمام الفاتيكان بمساندة الشعب اللبناني في محنته، وللتعبير عن وقوفه إلى جانب الدولة اللبنانية في مسار الإصلاح والاستقرار.

وفي تفاصيل النقاشات، أشار البيان إلى أن المباحثات تطرقت إلى تطلعات اللبنانيين نحو إصلاح النظام العام، واستعادة الثقة بالمؤسسات، فضلًا عن “الرجاء المشترك بتحقيق سلام شامل في المشرق”. هذه اللغة تعكس بوضوح أن الفاتيكان يتعامل مع الملف اللبناني من زاوية إنسانية شاملة، تجمع بين الدعم الروحي، والمساندة السياسية، والوساطة الدبلوماسية. لبنان

بيروت تسعى لاستعادة ثقة المجتمع الدولي عبر رموز معتدلة ذات مصداقية.

دلالات اللقاء… بين الإصلاح والسيادة

يحمل اللقاء بين البابا ورئيس الحكومة اللبنانية دلالات سياسية عميقة. فاختيار نواف سلام، الدبلوماسي والأكاديمي المعروف، ليكون الواجهة الرسمية للبنان في الفاتيكان ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة واضحة بأن بيروت تسعى لاستعادة ثقة المجتمع الدولي عبر رموز معتدلة ذات مصداقية.

وبالنسبة للفاتيكان، فإن الحوار مع سلام يمثل امتدادًا لتقليد تاريخي في دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، مقابل القوى التي تسعى لتكريس الانقسام الطائفي أو تحويل لبنان إلى ساحة صراع بالوكالة. ومن هنا يمكن اعتبار اللقاء تمهيدًا لعودة الفاتيكان إلى لعب دور أكثر تأثيرًا في الملف اللبناني، خاصة في ظل غياب المبادرات الأوروبية الفاعلة، وتراجع الانخراط العربي المباشر. لبنان

البعد الرمزي والديني

على الصعيد الرمزي، تمثل الزيارة البابوية المقبلة حدثًا وطنيًا ودينيًا استثنائيًا، يحمل في طياته رسائل أمل للمجتمع اللبناني المتعب. فلبنان بالنسبة للفاتيكان ليس مجرد بلد صغير في شرق المتوسط، بل نموذج للتعايش المسيحي ـالإسلامي و”رسالة سلام في الشرق”، كما وصفه البابا يوحنا بولس الثاني في زيارته الشهيرة عام 1997.

اليوم، وبعد مرور ما يقارب ثلاثة عقود على تلك الزيارة التاريخية، تأتي رحلة البابا ليون الرابع عشر في ظروف أكثر قسوة، حيث يعاني لبنان من انهيار اقتصادي شامل، وشلل سياسي متكرر، وتوترات أمنية متصاعدة على الحدود الجنوبية. لذلك، فإن رمزية حضور البابا في بيروت تحمل بُعدًا تضامنيًا يتجاوز الطابع الديني إلى الإنساني والسياسي، في وقت يشعر فيه اللبنانيون بالعزلة وفقدان الأمل. لبنان

الفاتيكان والشرق الأوسط… سياسة النوايا الهادئة

تاريخيًا، حافظ الفاتيكان على دبلوماسية هادئة تجاه أزمات الشرق الأوسط، متجنبة الاصطفاف السياسي المباشر، ومفضلة مسار الحوار والوساطة. إلا أن الملف اللبناني كان دائمًا استثناءً؛ فلبنان بالنسبة للفاتيكان هو الخط الأخير للدفاع عن التعددية المسيحية في المشرق، والملاذ الأخير للعيش المشترك بين الطوائف.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن اللقاء الأخير يعكس استراتيجية فاتيكانية لإعادة التوازن إلى مقاربة الغرب للبنان، بعدما تراجعت أولويات هذا الملف لصالح الأزمات الأخرى كأوكرانيا وفلسطين. كما أن البابا ليون الرابع عشر يبدو حريصًا على أن تكون زيارته رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن لبنان لا يمكن تركه ينهار، لأنه يشكل عنصر استقرار رمزي وأخلاقي للمنطقة بأكملها.

نحو دور فاتيكاني متجدد

من المرجّح أن تشكل الزيارة البابوية المقبلة منطلقًا لمبادرات دبلوماسية فاتيكانية جديدة تشمل دعم الحوار الوطني بين القوى اللبنانية، وتسهيل انفتاح بيروت على المجتمع الدولي، وربما إطلاق مبادرة إنسانية أو تعليمية ذات طابع إقليمي. لبنان

إنّ لقاء البابا بنواف سلام ليس حدثًا بروتوكوليًا فحسب، بل مؤشر على تحوّل في مقاربة الفاتيكان للملف اللبناني من موقع المشاهدة إلى موقع المبادرة. فبين انهيار النظام المالي، واحتدام الخلافات الداخلية، واستمرار التوتر مع إسرائيل، يبدو أن الفاتيكان يسعى لتذكير العالم بأن لبنان، برغم ضعفه، ما زال يستحق الدعم والرعاية، وأن الحفاظ عليه هو حفاظ على آخر نموذج حيّ للتنوع الديني والسياسي في الشرق الأوسط.

https://hura7.com/?p=69044

الأكثر قراءة