جريدة الحرة بيروت

بقلم : الدكتورة سماء سليمان، عضو مجلس الشيوخ السابق ـ دولة مصر
يقف لبنان اليوم أمام لحظة قد تكون الأكثر حساسية منذ انتهاء الحرب الأهلية. فالإطار الثلاثي المطروح بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان لا يمثل مجرد تفاهم أمني، بل يفتح الباب أمام إعادة تعريف الدولة اللبنانية ودورها وسيادتها وعلاقتها بمحيطها الإقليمي. غير أن نجاح هذا الإطار لا يتوقف فقط على نصوصه، بل على ترتيب أولوياته وآليات تنفيذه.
المعضلة الأساسية تكمن في الربط الذي يطرحه المشروع بين انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان وبين التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وفي مقدمتها حزب الله. فمن الناحية القانونية يبدو هذا الربط منسجمًا مع فكرة احتكار الدولة للسلاح، لكنه من الناحية السياسية يصطدم بواقع إقليمي أكثر تعقيدًا.
فقرار تسليم سلاح حزب الله لا يمكن النظر إليه باعتباره قرارًا لبنانيًا صرفًا. فالحزب يمثل أحد أهم أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة، ويشكل جزءًا من منظومة الردع التي بنتها طهران خلال العقود الماضية. ومن ثم فإن أي قرار استراتيجي يتعلق بمستقبله سيكون، بدرجات متفاوتة، مرتبطًا بحسابات إيران الإقليمية، ولا سيما في سياق مفاوضاتها مع الولايات المتحدة بشأن ملفات الأمن الإقليمي والعقوبات والبرنامج النووي. وإذا كانت هناك نافذة زمنية تمتد لستين يومًا في إطار تفاهمات أو مسارات تفاوضية أمريكية-إيرانية، فمن المرجح أن تحرص طهران على الاحتفاظ بأوراق ضغطها حتى تتضح نتائج تلك المرحلة، وهو ما يجعل ربط الانسحاب الإسرائيلي مسبقًا بملف سلاح حزب الله مخاطرة قد تؤدي إلى تعطيل تنفيذ الاتفاق برمته.
ومن هنا يبرز مخرج سياسي أكثر واقعية وأكثر قابلية للتنفيذ.
يقوم هذا المخرج على أن ينص الملحق الأمني بصورة واضحة على ربط الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان بتمكين الجيش اللبناني وحده من الانتشار والسيطرة الأمنية والإدارية الكاملة على الجنوب، دون اشتراط البدء الفوري بعملية تسليم سلاح حزب الله كشرط سابق للانسحاب.
فالهدف المباشر يجب أن يكون استعادة الدولة اللبنانية لسيادتها على الجنوب عبر جيشها الوطني، باعتباره المؤسسة الشرعية الوحيدة المخولة بحماية الحدود وإدارة الأمن، وهو ما يتوافق مع جوهر بنود الإطار التي تؤكد احتكار الدولة لاستخدام القوة، وتولي الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية، وإنهاء أي وجود عسكري خارج مؤسسات الدولة.
وبمجرد اكتمال الانسحاب الإسرائيلي وتسليم الأرض للجيش اللبناني، تتغير طبيعة قضية سلاح حزب الله بالكامل.
ففي ظل وجود احتلال إسرائيلي، ظل الحزب يستند إلى شرعية سياسية وشعبية قائمة على مقاومة الاحتلال. أما بعد انتهاء الاحتلال وانتشار الجيش اللبناني على كامل الجنوب، فإن هذا الأساس يفقد جزءًا كبيرًا من مبرراته، ويتحول النقاش من قضية مرتبطة بالصراع العربي الإسرائيلي إلى قضية سيادية داخلية تتعلق بتنظيم السلطة العسكرية داخل الدولة اللبنانية.
عندها يصبح الحوار حول مستقبل السلاح حوارًا بين دولتين، لبنان وإيران، وليس بين إسرائيل وحزب الله، ولا بين المجتمع الدولي والحزب. ويتحول الملف من ورقة إقليمية تستخدم في موازين القوى إلى قضية تخص الدولة اللبنانية وحدها، صاحبة القرار الدستوري في الحرب والسلم، كما تؤكد بنود الإطار نفسه.
وهذا التحول يمثل في جوهره انتقالًا من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة.
فبدل أن يبقى الجنوب ساحة لتقاطع المشاريع الإقليمية، يصبح أرضًا تخضع بالكامل للدولة اللبنانية. وبدل أن يبقى السلاح عنوانًا للصراع الخارجي، يصبح ملفًا سياديًا يعالج بالحوار الوطني والمؤسسات الدستورية، وفي إطار العلاقات الرسمية بين بيروت وطهران.
وفي المقابل، يصبح على الولايات المتحدة أن تتحرك بسرعة لتنفيذ الشق الاقتصادي من الإطار، ولا سيما البند المتعلق بحشد الدعم الدولي لإعادة الإعمار. فنجاح أي ترتيبات أمنية لن يكون مستدامًا إذا لم يشعر المواطن اللبناني بأن السلام يحمل معه التنمية وفرص العمل وإعادة بناء المدن والقرى.
وينبغي ألا تقتصر إعادة إعمار الجنوب على البنية التحتية فقط، بل يجب أن تتحول إلى مشروع وطني شامل يضم جميع مكونات المجتمع اللبناني دون تمييز طائفي أو سياسي. فالجنوب ليس ملكًا لطائفة أو حزب، بل هو جزء من الدولة اللبنانية بكل أطيافها.
وهنا تنتصر الجغرافيا على الانقسام السياسي، وتنتصر الديمغرافيا الوطنية على الاصطفافات الطائفية.
فعندما يعود الجنوب إلى الدولة، ويعاد بناؤه بمشاركة جميع اللبنانيين، يصبح نموذجًا لدولة المواطنة لا دولة المحاور، ولدولة المؤسسات لا دولة التنظيمات المسلحة، ولدولة القانون لا دولة النفوذ المتعدد.
وقد يكون هذا المشروع بداية لإعادة بناء العقد الوطني اللبناني نفسه، بحيث يمتد لاحقًا إلى بقية المناطق، فينهي الانقسام الجغرافي والديمغرافي الذي أنهك لبنان لعقود، ويؤسس لمرحلة يصبح فيها الجيش اللبناني هو الضامن الوحيد للأمن، والدولة هي المرجعية الوحيدة للحرب والسلم، والمواطنة هي أساس الانتماء.
إن نجاح هذا التصور يتطلب إرادة لبنانية داخلية تتجاوز الحسابات الفئوية، كما يحتاج إلى دعم عربي ودولي يدرك أن استقرار لبنان لا يتحقق فقط عبر الترتيبات الأمنية، وإنما عبر بناء دولة قادرة على بسط سيادتها، وتحقيق التنمية، واستعادة ثقة مواطنيها.
لقد يكون المخرج الحقيقي للبنان هو إعادة ترتيب الأولويات: أولًا انسحاب إسرائيلي كامل وتمكين الجيش اللبناني من السيطرة على الجنوب، ثانيًا إطلاق ورشة إعمار وطنية شاملة، وثالثًا نقل ملف سلاح حزب الله من كونه ورقة في الصراع الإقليمي إلى كونه قضية سيادية لبنانية تعالج بالحوار بين الدول وبما يحفظ استقرار لبنان ووحدته.
عندها فقط، لا يكون الاتفاق مجرد وقف لحرب، بل يصبح بداية فعلية لولادة الدولة الوطنية اللبنانية التي طال انتظارها.


