
جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني
تكتسب الحركية الدبلوماسية الرسمية التي تقودها رئاسة الجمهورية اللبنانية تجاه العاصمة الأمريكية أبعاداً جيو-سياسية تتجاوز الأطر التقليدية للعلاقات الثنائية، لتشكل محاولة بنيوية لإعادة تموضع الدولة في ميزان القوى الإقليمي والدولي، استناداً إلى مفهوم السيادة الموجبة والقانون الدولي. تأتي هذه المحادثات المباشرة في البيت الأبيض لاستثمار النفوذ الدولي في إلزام العدو الإسرائيلي بالانسحاب الشامل والكامل من الأراضي المحتلة وتثبيت الاستقرار المستدام، مستندة إلى مسار تفاوضي تمهيدي سعى إلى صياغة تفاهمات واضحة تضمن حقوق لبنان الميدانية والسياسية.
ويشكل هذا التحرك الدبلوماسي الرفيع فرصة جوهرية لطرح الرؤية اللبنانية الرسمية الهادفة إلى بسط سلطة الدولة وحصر عناصر القوة الأمنية والعسكرية بيد المؤسسات الشرعية والجيش اللبناني على كامل التراب الوطني، وذلك عبر تقديم طروحات وطنية متكاملة ترتكز على التوافق والتنسيق المشترك بين جميع المكونات اللبنانية، تعزيزاً لمنعة الوطن واستقلاله.
إن الرهان اللبناني في هذه القمة الرئاسية يتمحور حول انتزاع جدول زمني ملزم لانسحاب قوات العدو الإسرائيلي التدريجي والشامل، بدءاً من مناطق تجريبية حدودية محددة، ليتولى الجيش اللبناني زمام المبادرة الأمنية فيها، مع رفض أي محاولات لفرض ترتيبات ميدانية مجحفة تقضم السيادة الوطنية أو تمنع عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم في الجنوب. ويتلازم هذا المسار الميداني مع مطلب لبناني حثيث لتأمين حزمة مساعدات عسكرية ولوجستية ومالية عاجلة ومستدامة لتأهيل وتجهيز وتوسيع انتشار المؤسسة العسكرية، لتمكينها من القيام بمسؤولياتها الوطنية كاملة في حماية الحدود وتثبيت التهدئة.
وفي مقابل هذه التطلعات، تبرز تعقيدات ناتجة عن تباين الرؤى وفجوة التوقعات مع الأطراف الأخرى، حيث يحاول العدو الإسرائيلي فرض شروط رقابية صارمة واستخدام أداة الضغط الميداني المستمر، مما يضع التفاهمات أمام محك التنفيذ الفعلي. وتفضي القراءة المعمقة للمشهد السياسي والعسكري إلى رسم سيناريوهات مرتقبة وتحديد نتائجها السياسية على لبنان والمنطقة.
يتبلور السيناريو الأول حول نجاح المقاربة الدبلوماسية الرسمية في انتزاع اعتراف دولي صريح بثوابت السيادة اللبنانية، يُترجم عملياً عبر فرض جدول زمني ملزم للانسحاب الإسرائيلي الشامل والكامل من كافة الأراضي المحتلة، والبدء بتدفق الدعم العسكري واللوجستي والمالي النوعي والمستدام للمؤسسات الأمنية والعسكرية الشرعية، مما يتيح للجيش اللبناني بسط سلطته وتوسيع قدراته اللوجستية والعملياتية على كامل التراب الوطني.
وتنعكس هذه النتائج سياسياً على الداخل اللبناني من خلال انتقال الدولة من مرحلة إدارة الأزمات المفتوحة إلى مرحلة البناء المؤسسي والتعافي الاقتصادي، وإعادة الإعمار، وتأمين العودة الكريمة والشاملة لجميع النازحين إلى بلداتهم وقراهم تحت مظلة الشرعية. أما على المستوى الإقليمي، فإن هذا التحول يسهم في صياغة معادلة استقرار مستدامة على الحدود الدولية للبنان، ويسحب فتيل التفجير الدوري، مما يعزز مناخات الهدوء الإقليمي ويقيد مساعي فرض الترتيبات الأحادية القسرية في المنطقة.
وعلى الضفة المقابلة، يبرز السيناريو الثاني الذي ينذر بتعثر المسعى الدبلوماسي نتيجة اتساع فجوة التوقعات، وتصلب المواقف، ومحاولات فرض اشتراطات رقابية مجحفة تمس بجوهر السيادة الوطنية، بالتزامن مع تملص العدو الإسرائيلي من التزاماته واستمراره في ممارسة الضغوط الميدانية والتصعيد. وتتمثل النتائج السياسية لهذا السيناريو في دخول لبنان في حلقة مفرغة من الاستنزاف السياسي والاقتصادي، وتأخر مسارات إعادة الإعمار وعودة النازحين، مما يضع أداء المؤسسات الدستورية تحت وطأة ضغوط بنيوية مستمرة.
وإقليمياً، يؤدي هذا التعثر إلى إبقاء الساحة الجنوبية في حالة من السيولة الأمنية وعدم اليقين، مما يجعلها عرضة للتصعيد الميداني المتكرر، ويسهم في تحويل النزاع إلى ملف مزمن يُستغل في إطار التوازنات الإقليمية الأوسع، وهو ما يهدد بآثار ارتدادية تشمل أمن واستقرار منطقة الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط بأكملها.
تكمن الحلول المستقبلية الناجعة لحفظ كيان الدولة اللبنانية وصون استقلالها في تبني رؤية سياسية تتجاوز الطروحات الآنية نحو صياغة استراتيجية أمنية ودفاعية وطنية شاملة تنبثق من روح التفاهم والتنسيق والوعي المشترك بين كافة المكونات اللبنانية، بحيث تكون الدولة بمؤسساتها الشرعية هي المرجعية السيادية الوحيدة والناظمة لجميع عناصر القوة. ويتطلب المستقبل السياسي للبنان فصلاً حاسماً للمسار الوطني عن التجاذبات والاستقطابات الخارجية، والتركيز على تكريس سيادة الدولة بقواها الذاتية وبموجب القوانين الدولية، مما يحول دون استغلال الفراغات السياسية، ويضمن قيام دولة قوية، قادرة، وقائمة على أسس دستورية راسخة تحمي أرضها وتصون حقوق شعبها في الاستقرار والازدهار.


