الأكثر قراءة

لبنان وسوريا ـ نهاية المجلس الأعلى وبداية مرحلة دبلوماسية جديدة

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم أسطيفان يلدز

أعلن وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي تعليق يوم 13 أكتوبر 2025 عمل المجلس الأعلى اللبناني ـ السوري تمهيدًا لحلّه، في خطوة وُصفت بأنها بداية لمرحلة جديدة من العلاقات بين بيروت ودمشق، تُدار عبر القنوات الدبلوماسية المباشرة لا عبر الأطر الاستثنائية التي وُلدت في زمن الوصاية. هذه الخطوة، وإن بدت إجرائية، إلا أنها تحمل رمزية سياسية عميقة تُعيد رسم ملامح العلاقة بين البلدين بعد أكثر من ثلاثة عقود من التداخل والتبعية.

تأسس المجلس الأعلى اللبناني ـ السوري عام 1991، عقب توقيع معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين البلدين، وهي المعاهدة التي جاءت في أعقاب اتفاق الطائف ونهاية الحرب الأهلية اللبنانية. كان الهدف المعلن حينها هو “تنظيم” العلاقات الثنائية على أسس مؤسساتية، لكن المجلس تحوّل عمليًا إلى أداة لتكريس النفوذ السوري في لبنان، في مرحلة هيمنت فيها دمشق على القرار اللبناني سياسيًا وأمنيًا.

تكوّن المجلس من هيئة عليا مشتركة وأمانة عامة مقرّها بيروت، وعُهد إليها تنسيق السياسات في مجالات الأمن، الاقتصاد، الثقافة، والسياسة الخارجية. لكن خلف هذه الصيغة البيروقراطية، كان المجلس يشكّل غطاءً قانونيًا لتداخل الأجهزة السورية في مؤسسات الدولة اللبنانية، حتى انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005 بعد اغتيال رفيق الحريري.

إذن، فإن قرار التعليق الذي أعلنه وزير الخارجية اللبناني لا يمكن قراءته بوصفه مجرد إعادة هيكلة إدارية، بل هو إعلان رمزي عن انتهاء مرحلة الوصاية السورية بكل أشكالها.

فلبنان، الذي يسعى منذ سنوات إلى استعادة قراره السيادي واستقلال مؤسساته، يبعث اليوم برسالة واضحة إلى دمشق: العلاقات المستقبلية ستكون دبلوماسية بحتة، خاضعة لأعراف التعامل بين دولتين ذات سيادة، لا بين “شقيق أكبر” و”شقيق تابع”.

ما يلفت في تصريح الوزير رجي هو تأكيده أن الإدارة السورية أعلنت احترامها الكامل لسيادة لبنان وعدم التدخل في شؤونه الداخلية. هذه العبارة وحدها تعكس تحولًا في الخطاب الرسمي السوري، إذ لطالما اعتبرت دمشق لبنان جزءًا من “العمق الاستراتيجي السوري”، واستخدمت هذه المقولة لتبرير حضورها الأمني والسياسي في بيروت. من هنا، يمكن اعتبار هذا الالتزام السوري، إن صدق فعلاً، نقطة تحول في ذهنية النظام السوري تجاه لبنان.

أما من حيث التوقيت، فيأتي القرار في لحظة حساسة يعيشها البلدان، لبنان يمر بأزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة، ويبحث عن استقرار سياسي وإعادة انفتاح عربي ودولي. وسوريا، من جانبها، تحاول الخروج من عزلتها الدولية بعد 13 عامًا من الحرب والعقوبات، وتسعى إلى تطبيع تدريجي مع العالم العربي، خاصة بعد عودتها إلى جامعة الدول العربية. وبالتالي، فإن هذا الانفتاح الجديد يتطلب من دمشق أن تقدم نفسها كدولة “تحترم سيادة الجيران” لا كقوة وصاية أو نفوذ.

في الجوهر، يمكن قراءة هذه الخطوة أيضًا في سياق إعادة بناء الدولة اللبنانية وتحديث مؤسساتها الخارجية بما يتماشى مع القانون الدولي. فإلغاء المجلس الأعلى يعني عمليًا إنهاء أحد أبرز مظاهر “الازدواجية المؤسسية” التي سمحت سابقًا بوجود قنوات موازية للسلطة الدبلوماسية الرسمية. إنه مسعى لإعادة الأمور إلى نصابها: العلاقات تدار بين وزارتي خارجية، لا بين أجهزة أمنية أو مجالس استثنائية.

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذا التحول قد يثير تحفظات لدى بعض القوى اللبنانية المقرّبة من دمشق، فحلّ المجلس قد يُقرأ لدى هذه الأطراف على أنه خطوة “إرضاء” للغرب أو محاولة لإعادة التموضع بعيدًا عن المحور السوري ـ الإيراني.

يبقى القرار مؤشرًا إلى تحوّل هادئ ولكن عميق في بنية العلاقة اللبنانية ـ السورية. هو ليس قطيعة، بل تصحيح لمسار اختلطت فيه السيادة بالمصالح، والسياسة بالأمن. إنّ تحويل العلاقة إلى مسار دبلوماسي طبيعي لا يلغي التاريخ، لكنه يفتح الباب أمام علاقة أكثر توازنًا ونضجًا، شرط أن يترجم الطرفان وعودهما إلى ممارسات حقيقية تحترم استقلال كل منهما.

https://hura7.com/?p=68309

الأكثر قراءة