الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان وشبكات التجسس الإسرائيلية … اختراق صامت يهدد الأمن المجتمعي

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم باسكال اسكندر

تعود قضية شبكات التجسس الإسرائيلية في لبنان إلى الواجهة مجددا، بعد الكشف عن خلايا جديدة يُشتبه في ارتباطها بأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. هذه التطورات تثير تساؤلات عميقة حول حجم التغلغل الإسرائيلي داخل البلاد، وفعالية المنظومة الأمنية اللبنانية في مواجهة واحدة من أكثر حروب الظل تعقيدًا في المنطقة.

وفق المعطيات الأمنية الأخيرة، فإن إسرائيل كثفت عمليات التجنيد خلال الأشهر الماضية مستخدمة أدوات رقمية ووسائل غير تقليدية. تبدأ القصة غالبا من خلف شاشة هاتف أو حاسوب، عبر عروض عمل، أو تواصل “مهني” من شركات وهمية، أو عبر إعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي.

تدريجيا، تتحول العلاقة إلى استقطاب ثم تجنيد، تدار بحرفية عالية من ضباط استخبارات متمرسين في قراءة السلوك البشري واستغلال نقاط الضعف النفسية أو المادية.

ويؤكد مسؤولون أمنيون أن أغلب العملاء الجدد جُندوا عبر الإنترنت، بينما يستهدف بعضهم من خلال وسطاء لبنانيين يتلقون التمويل من جهات خارجية. هذه الوسائل الحديثة تكمل الأساليب الكلاسيكية التي تعتمد على الابتزاز المالي، أو الإغراء المعيشي، أو حتى التهديد بنشر معلومات شخصية حساسة.

تُدرك إسرائيل أن الوضع الاقتصادي المتدهور في لبنان، وما يرافقه من بطالة وغياب ثقة بالدولة، يشكل بيئة مثالية لاختراق النسيج الاجتماعي. لذلك، فإن الهدف لم يعد محصورا بجمع معلومات عسكرية عن حزب الله أو الجيش اللبناني، بل يمتد إلى رسم خريطة اجتماعية واقتصادية جديدة للبنان، تساعد في فهم توازناته الداخلية واستخدامها لاحقا في الضغط أو التفاوض أو التصعيد العسكري.

تقديرات أمنية غير رسمية تشير إلى توقيف أكثر من 30 شخصا منذ مطلع العام الحالي بتهم التعامل مع إسرائيل، بينهم موظفون في قطاعات حساسة. هذه الأرقام، وإن بدت محدودة، إلا أنها تعكس مدى عمق الاختراق واحتمال وجود شبكات أخرى نائمة تعمل بصمت.

الخطورة الحقيقية لا تكمن في التجسس كعمل أمني فحسب، بل في ما يتركه من شرخ داخل المجتمع اللبناني . فحين يتحول التجنيد إلى ظاهرة عابرة للطبقات والمؤسسات، يصبح الأمن المجتمعي هو الضحية الأولى. هذا ما يجعل المعركة مع الاستخبارات الإسرائيلية معركة وعي وولاء قبل أن تكون مواجهة أمنية.

من هنا، يتعين على الحكومة اللبنانية تعزيز منظومة الأمن الرقمي والاستخباري، وتحديث آليات الرقابة على شبكات الاتصالات ومنافذ البيانات. وفي المقابل، تقع على عاتق المجتمع المدني والإعلام مسؤولية رفع الوعي بمخاطر التجسس الإلكتروني، ومواجهة حملات التضليل التي تُستخدم كأداة لتفكيك الثقة بين المواطن والدولة.

تبقى إسرائيل تدير حربها “الهادئة” في لبنان بأدوات ذكية وغير مباشرة، تستهدف عقل المواطن قبل سلاح الدولة. ومهما بلغت قدرات الأمن، فإن أمن الدولة يبدأ من وعي الفرد، ومن قدرة المجتمع على التماسك في وجه حرب لا تُسمع أصواتها، لكن آثارها تتسلل إلى كل بيت في لبنان.

https://hura7.com/?p=68664

الأكثر قراءة