جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تتموضع الجبهة اللبنانية اليوم كأعقد منصات الاشتباك الدولي، حيث يتشابك الحراك العسكري مع القنوات الدبلوماسية الخلفية لإنتاج مشهد يتجاوز البُعد المحلي المباشر. إن ما يشهده الميدان حالياً يتخطى فكرة النزاع الحدودي التقليدي، ليصبح نقطة الثقل الأساسية التي تتلاقى عندها الحسابات الاستراتيجية للقوى الإقليمية والدولية؛ إذ تعيد هذه المواجهة صياغة المعايير الأمنية والسياسية في المنطقة برمتها، وتتحول معها الجغرافيا اللبنانية إلى مؤشر دقيق لمدى تقدم أو تعثر المشاريع المتنافسة في الشرق الأوسط.
يتصدر هذا المشهد إصرار حكومة العدو الإسرائيلي على فرض واقع ميداني جديد عبر استراتيجية التفاوض تحت النار. وتسعى تل أبيب، من خلال استمرار الغارات الجوية العنيفة وتوسيع نطاق عملياتها لتشمل العمق اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت، إلى إقامة حزام أمني فرضي في الجنوب وتفكيك القدرات العسكرية لحزب الله. يعتمد العدو الإسرائيلي في الاندفاعة الراهنة على معادلة استهداف الحواضن الشعبية والبنى التحتية رداً على ضربات المقاومة التي تطال المستوطنات والمنشآت الحيوية في الشمال. ويهدف هذا الضغط الميداني المتصاعد إلى انتزاع مكاسب أمنية وسياسية تفرض ترتيبات جديدة في منطقة جنوب نهر الليطاني، واشتراط إنهاء المظاهر المسلحة كبند أساسي لا ينفصل عن أي صيغة لوقف إطلاق النار.
وفي المقابل، تقابل المقاومة في لبنان هذا الضغط العسكري بتثبيت معادلات ميدانية مقابلة، ترتكز على إطالة أمد حرب الاستنزاف وإلحاق خسائر مستمرة بقوات العدو الإسرائيلي. وتعتمد هذه الرؤية على الحفاظ على وتيرة قصف صاروخي مستدام ومنظم، قادر على شل الحياة الاقتصادية والأمنية في شمال الأراضي المحتلة وعمقها، مما يمنع تل أبيب من تحقيق أهدافها المعلنة بإعادة مستوطنيها أو فرض شروط استسلامية. يتوازى هذا الأداء الميداني مع تنسيق وثيق مع طهران، التي غيرت من نمط إدارتها للصراع عبر الانخراط العملياتي المباشر، والتلويح بضربات بالستية رادعة في حال تم تجاوز الخطوط الحمراء المرتبطة بحماية بنية المقاومة الأساسية في لبنان.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تتمحور المعركة حول معضلة استراتيجية كبرى أفرزتها طروحات واشنطن وتل أبيب تكمن في تساؤل جوهري عما إذا كانت المحاولات الأميركية الإسرائيلية قد نجحت فعلاً في عزل الساحة اللبنانية عن الملف المفاوضاتي الأشمل بين الولايات المتحدة وإيران أم أنها أخفقت في مسعاها. وتؤكد المعطيات الراهنة أن أميركا والعدو الإسرائيلي قد فشلا حتى الآن في تحقيق هذا العزل؛ فرغم الضغوط الهائلة التي مارستها الإدارة الأميركية لفصل المسار اللبناني وجعله خاضعاً لشروط أمنية منفصلة ترتبط بالترتيبات الحدودية فحسب، إلا أن طهران تمسكت بمعادلة ربط الجبهات والساحات. ترى إيران في جبهة لبنان ورقة قوة محورية في تفاوضها الأشمل مع واشنطن حول العقوبات الاقتصادية والملف النووي، وتعتبر أن أي اتفاق أمني لا يضمن مصالحها وحلفاءها يمثل إخلالاً بالتوازن الإقليمي. ونتيجة لهذا الترابط، تعثرت كافة المبادرات الدبلوماسية التي حاولت عزل الملف اللبناني، وبات واضحاً أن مفتاح التهدئة في الجنوب لا يزال معلقاً بمدى نضوج المساومة الكبرى بين واشنطن وطهران.
هذا التعثر الدبلوماسي يعكس تبايناً حاداً في الأولويات والمسارات بين الأطراف الفاعلة. فبينما تسعى الإدارة الأميركية إلى تبريد الجبهات المشتعلة لضمان استقرار الأسواق العالمية وطرق الطاقة وتجنب حرب إقليمية واسعة، يصر العدو الإسرائيلي على استغلال التفوق الجوي والغطاء السياسي لمواصلة العمليات العسكرية، آملاً في تقويض النفوذ الإقليمي لإيران وحلفائها قبل الدخول في أي مسار سياسي ملزم، وهو ما يفسر الخلافات التكتيكية الراهنة بين تل أبيب وواشنطن حول توقيت وحدود الهدنة المطلوبة.
وفي خضم هذا الاستقطاب الحاد، يبرز الموقف الرسمي اللبناني كمحاولة لتثبيت المرجعية السيادية للدولة في مواجهة الإملاءات الخارجية. وتتمسك الرئاسات الرسمية، عبر التنسيق المستمر بين رئاسة مجلس النواب ورئاسة الحكومة، بضرورة الوقف الفوري والشامل للعدوان الإسرائيلي كشرط مسبق لأي مفاوضات سياسية. ويرتكز الطرح اللبناني على التطبيق الحرفي للقرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار ١٧٠١، مع التشديد على بسط سلطة الجيش اللبناني والقوى الشرعية على كامل الحدود الوطنية وحصر السلاح بالمنظومة الدستورية، رافضاً في الوقت عينه القبول بأي شروط تمس بالسيادة أو تحول البلاد إلى مجرد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
إن قراءة مآلات هذه المواجهة المفتوحة تضع الجبهة اللبنانية أمام مسارات ثلاثة محتملة تحدد معالم المرحلة المقبلة، حيث يمثل المسار الأول إمكانية الوصول إلى تسوية شاملة بضغط دولي، ويتحقق هذا الخيار في حال نجاح الإدارة الأميركية في فرض تراجع تكتيكي على حكومة نتنياهو، مستخدمة أوراق الضغط الاقتصادي والعسكري، مقابل التوصل إلى اتفاق إطاري مع إيران يشمل تهدئة إقليمية متزامنة، مما يفضي إلى وقف إطلاق نار منسق يترافق مع انتشار معزز للجيش اللبناني في جنوب الليطاني وتراجع قوات العدو الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، وهو ما يؤسس لمرحلة استقرار مراقبة دولياً ومستندة إلى توازن ردع جديد.
أما المسار الثاني فيحمل خطر الانفجار الإقليمي الشامل، وينطوي على إصرار العدو الإسرائيلي على كسر القواعد الراهنة ومواصلة التوغل البري واستهداف العمق الحيوي، مما يدفع بالمقاومة إلى استخدام ترسانتها الصاروخية الثقيلة والنوعية بلا قيود، تزامناً مع دخول إيران في مواجهة صاروخية مباشرة وواسعة ضد تل أبيب، الأمر الذي سيحول لبنان إلى الميدان الرئيسي لحرب استنزاف إقليمية مفتوحة تنهار معها كل الخطوط الحمراء، وتكون كلفتها التدميرية بالغة على البنى التحتية لكلا الطرفين.
ويبقى المسار الثالث متمثلاً في خيار تنظيم الاشتباك واستمرار الوضع القائم، وهو الاحتمال الأكثر واقعية في المدى المنظور، ويقوم على عجز العدو الإسرائيلي عن تحقيق حسم عسكري كامل أو فرض شروط الاستسلام، وفي المقابل عدم رغبة الأطراف الدولية في الانزلاق نحو الحرب الشاملة، مما ينتج عنه استمرار الغارات المركزة والعمليات الموضعية وضربات المقاومة المتبادلة، مع الحفاظ على مستويات تصعيد تحت سقف الانفجار الكبير، بانتظار تبدل المعطيات السياسية في العواصم الكبرى لصياغة التسوية النهائية التي تصنع في مكاتب القرار الدولي وتنعكس مفاعيلها على الأرض اللبنانية.


