جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

إن المصير اللبناني في اللحظة الراهنة لا يحتمل الترف الفكري، بل يضعنا أمام استحقاق وجودي يتطلب مراجعة نقدية لكل موروثنا السياسي، ومقاربة واقعية تُخرج البلاد من دائرة التجاذبات التي كادت تودي بها مراراً. إن استحضار محطات الماضي، وفي طليعتها ذكرى ١٣ نيسان، ليس للبكاء على الأطراف أو لتعميق الجراح، بل ليكون دافعاً لبناء مناعة وطنية تحصن السلم الأهلي، وتستعيد للدولة هيبتها وقدرتها على ممارسة سيادتها الكاملة، كي لا تظل الذاكرة مجرد مرثية، بل تتحول إلى درس في صياغة المستقبل.
إن بنية النظام السياسي، بما أنتجته من محاصصة، أضحت عبئاً يعيق التطور نحو دولة المواطنة العادلة. لقد تحولت المؤسسات إلى دوائر نفوذ متنافسة، حيث يجد المواطن نفسه محكوماً بولاءات ضيقة بدلاً من الولاء الجامع للوطن. وهذا الخلل البنيوي يفتح الثغرات أمام التدخلات التي تجد في انقسامنا بيئة خصبة لتحقيق مصالحها على حساب سيادتنا. إن الخروج من هذا المأزق يفرض الانتقال نحو نظام يرسخ قيم المواطنة، حيث يتساوى الأفراد أمام القانون، وحيث تكون الكفاءة والنزاهة هي المعيار الوحيد للخدمة العامة، بعيداً عن أي اعتبارات فئوية.
في هذا السياق، تبرز المؤسسة العسكرية كركيزة أساسية لا غنى عنها لضمان الاستقرار ومنع انزلاق البلاد نحو صدامات تعيدنا إلى المربعات الأولى. إن الجيش اللبناني، بكونه المؤسسة التي تحتضن كافة الأطياف وتتمتع بإجماع وطني، يمتلك الدور الأبرز في رعاية المرحلة الانتقالية. إن رؤيتنا لمؤتمر تأسيسي ينعقد بإرادة وطنية خالصة تحت مظلة الجيش، ليست خياراً تقنياً، بل ضرورة لاستعادة الثقة المتبادلة. فهذا المؤتمر يجب أن يسعى إلى صياغة عقد اجتماعي جديد يعزز الهوية الوطنية الجامعة، ويضع حداً لازدواجية القرار التي طالما أضعفت الدولة.
تأتي قضية السيادة الدفاعية في مقدمة الملفات التي يجب أن يغطيها هذا المؤتمر. إن حماية لبنان من الأطماع الخارجية، وفي مقدمتها العدوانية المستمرة، تتطلب استراتيجية دفاعية وطنية واضحة وموحدة. إن الهدف هو دمج كافة القدرات المتاحة تحت لواء الدولة، لتكون القوة الوطنية موجهة حصراً لردع الأطماع ولحماية الحدود، مع ضمان عدم استخدام القوة في أي نزاعات داخلية أو لفرض إرادات سياسية. إن إجماع اللبنانيين على مرجعية الدولة في قرار الحرب والسلم هو الضمانة الحقيقية لتحويل القوة إلى ركيزة أمان وطني شامل.
إن الفصل بين مسار التأسيس الوطني ومسار إعادة الإعمار ضرورة ملحة؛ فإعادة بناء ما تهدم هي قضية تقنية ووطنية تتطلب شفافية عالية، بينما التأسيس السياسي هو بناء للشرعية والوجود. إن المؤتمر التأسيسي يجب أن ينصرف بكل طاقته إلى رسم ملامح دولة تستمد قوته من وحدة أبنائها، لا من ارتهاناتهم للخارج. إننا نطمح إلى نظام سياسي يحرر القرار الوطني، ويجعل من لبنان مساحة للإنتاج الفكري والحضاري بدلاً من أن يكون ميداناً لتصفية الحسابات.
إن النجاح في هذا المشروع يتطلب من الجميع، خاصة القوى الحية والمثقفين والشباب، تبني لغة حوار بعيدة عن التخوين. إن التنوع في لبنان ليس وبالاً، بل غنىً إذا ما تم تأطيره في إطار مؤسساتي يحترم الدستور والقانون. إن الاعتراف بالآخر كشريك كامل في المصير هو المدخل الأساسي للعبور نحو المستقبل، وهو الرد العملي على كل محاولات التفتيت والتقسيم التي تلوح في الأفق عند كل منعطف أمني.
يبرز مفهوم المؤتمر التأسيسي كحاجة ملحة لإنتاج ميثاق وطني جديد يرتكز على مبادئ العدالة، والسيادة الناجزة، والمواطنة الحقة. إن السعي نحو هذه الغايات ثمرة التزامنا الجماعي بحماية وجودنا. إننا أمام فرصة تاريخية، فإما أن نرتقي بمستوى المسؤولية ونعمل معاً على بناء الدولة التي طالما حلمنا بها، أو نترك الفرصة للأقدار لتقرر مصيرنا، وهو ما لا نرتضيه للأجيال القادمة.
إن عظمة لبنان تكمن في قدرة أبنائه على التلاقي رغم كل الصعاب. فإذا ما توفرت الإرادة الوطنية الحقيقية، وإذا ما أدرك الجميع أن لا حماية لطرف على حساب الآخر، فإن الطريق نحو التغيير ستصبح معبدة. إننا ندعو إلى حوار جدي وصريح، يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويجعل من سيادة الدولة هدفه الأسمى. إن بناء الوطن يبدأ من وعي الفرد بدوره، ومن تكاتف القوى الحية في المجتمع لفرض المسار التأسيسي الذي يضمن الاستقرار والازدهار.
إن شعار “تنذكر وما تنعاد” ليس مجرد أمنية عابرة ترتبط بذكرى ١٣ نيسان، بل عهد يجب أن نترجمه إلى واقع ملموس من خلال أفعالنا ومواقفنا. إننا نؤمن بأن في لبنان من الطاقات والإمكانات ما يكفي للنهوض من جديد، بشرط التخلص من أثقال الماضي، والتحلي برؤية مستقبلية شجاعة. إن التاريخ سيحكم على الجيل الحالي بمقدار ما يقدمه من تضحيات في سبيل بناء دولة تحمي كرامة مواطنيها، وتصون استقلال قرارها. فلنكن جميعاً على قدر هذه الأمانة، ولنجعل من لبنان وطناً نهائياً لكل أبنائه، موحداً بجيشه، ومحصناً بقيمه، ومزدهراً بإرادة شعبه.


