شربل شربل
جريدة الحرة ـ بيروت
كنّا نسمّي كتاب القواعد العربيّة، فيما مضى، كتاب الصرف والنحو. ومعروف أنّ علم الصرف، الذي يهتمّ بدراسة الكلمات منفردةً، من دون تركيب، فيه جفافٌ، وصعوبات تعلّميّة، وتفاصيل تنفّر ليس صغار الطلّاب فقط، وإنّما الكثيرين من الكبار أيضًا، ولا يسيغه إلّا القليلون المتمكّنون…
ومن مسائل الصرف دراسة اشتقاق الكلمات ودلالات الأوزان. وعلى سبيل المثال فإنّ الوزن “فاعول” يستعمل للدلالة على الآلة وعلى المبالغة، كالشاكوش والشاقول والجاروش والجاروف… وأنّ بعض ألفاظه تدلّ على حالات المرض، كالشاهوق(من الفعل شهق) أو السعال الديكيّ، والخانوق (من الفعل خنق). ولقد حيّرني الاسم “طاعون”، الذي استعمله العرب منذ الجاهليّة، والذي يجب أن يكون مشتقًّا من الفعل طعن. فما علاقة هذا الوباء بالطعن؟
وجدت الجواب، صدفةً، أمس. فقد لفتني قول أحدهم “رمح الرجل بيده”، فلجأت، كعادتي، إلى محيط المحيط لتحديد معنى الفعل “رمح” بدقّة. ووقعت على الجواب هناك، من خلال قوله “ورماح الجنّ: الطاعون”.
وبما أنّ الرمح يستعمل للطعن، لا للضرب، فمن الطبيعيّ، وبحسب منطقهم البدائيّ الغيبيّ الذي يعزو كلّ ما يجهلونه إلى قوى غيبيّة، أن يكونوا قد أطلقوا هذه التسمية، استنادًا إلى السياق الإيمانيّ الذي يتصوّرون فيه أنّ الجنّ الأشرار يطعنون الحيوانات والأنس برماحهم القاتلة، وعلى سبيل المبالغة، ونظرًا لكثرة الضحايا، سمّوا الجائحة “الطاعون”.
ولو طبّقنا القياس للتكنية عن الكورونا، لكان من البديهيّ القول “مسيّرات الجنّ” أو “مسيّرات بيل غايتس” عند الذين يؤمنون بنظريّة المؤامرة، على اعتبار أنّ العصر عصر مسيّرات ولم يعد عصر رماح، ولأنّ الكورونا سريع الانتشار والانقضاض كالمسيَّرات القاتلة التي تستعمل في أيّامنا.


