جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

يبدو أن أي فرصة لإعادة إحياء العلاقة التاريخية بين موسكو وباكو أصبحت أبعد من أي وقت مضى. فبينما انشغلت روسيا بحروبها في أوكرانيا، استغلت دول جنوب القوقاز وآسيا الوسطى الفرصة للابتعاد عن رقابة موسكو المستمرة، لبناء علاقات مع قوى أخرى. وبصفة خاصة، تسعى أذربيجان إلى تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومن خلال هذا السياق، تواصل باكو تعزيز علاقاتها مع أوكرانيا.
زيارة زيلينسكي إلى أذربيجان
في 25 أبريل/نيسان، استضاف الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أول زيارة له إلى أذربيجان منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022. عُقدت المحادثات في مدينة غابالا الأذربيجانية، التي تقع على بُعد 100 كيلومتر من الحدود الروسية، ما يضيف بعدًا رمزيًا وجيوسياسيًا لهذا الاجتماع. خلال الزيارة، وقّع الزعيمان ست اتفاقيات لتوسيع التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مثل الدفاع والطاقة.
في المؤتمر الصحفي الذي أعقب الزيارة، سلّط علييف الضوء على المحادثات بشأن استثمارات شركة النفط الحكومية الأذربيجانية “سوكار” في أوكرانيا، وأشار إلى رغبته في توسيع التبادل التجاري الثنائي الذي تجاوز 500 مليون دولار. كما أكد على أهمية التعاون المشترك في الصناعات الدفاعية، مشيرًا إلى الفرص الممتازة للإنتاج المشترك في هذا القطاع.
الأمن والدفاع: أولوية التعاون
من جانبه، أكد زيلينسكي أن “الأمن” يعد من أبرز المجالات التي تم التركيز عليها خلال القمة، مشيرًا إلى ضرورة التعاون الوثيق في الصناعات الدفاعية بين البلدين. كما أعلن الرئيس الأوكراني أن أوكرانيا مستعدة لتبادل خبراتها الدفاعية مع أذربيجان، وهو ما أكده لاحقًا بأن الدفاع الجوي وحماية المنشآت المدنية من الهجمات الجوية ستكون من أولويات التعاون.
أفادت تقارير أخرى بأن خبراء الدفاع الأوكرانيين بدأوا بالفعل التواصل مع نظرائهم الأذربيجانيين في مجالات مثل تقنيات مكافحة الطائرات المسيّرة، وذلك بعد الهجمات الأخيرة التي تعرضت لها أذربيجان بواسطة طائرات مسيّرة إيرانية في منطقة ناكشيفان. يعتبر هذا التعاون خطوة كبيرة نحو تحسين الدفاعات ضد التهديدات المشتركة، خصوصًا في ظل الحرب الدائرة في أوكرانيا.
التعاون في مجالي الطاقة والدفاع
أكد الرئيس علييف على استمرار التعاون بين البلدين في مجال الطاقة، حيث نقلت أذربيجان مساعدات طاقية لأوكرانيا منذ بداية الحرب. وفي يناير/كانون الثاني 2026، أرسلت أذربيجان إلى أوكرانيا محولات كهربائية ومولدات وأسطوانات وأسلاك كهربائية، دعماً لإعادة بناء البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا. كما بدأت أذربيجان في صياغة اتفاقية لتصدير الغاز الطبيعي إلى أوكرانيا في ظل النقص المتوقع في الطاقة في صيف 2025.
لكن روسيا حاولت عرقلة هذا التعاون، حيث تعرض مستودع نفط تابع لـ “سوكار” ومنشآت غازية أذربيجانية لعدة غارات جوية روسية في منطقة أوديسا. هذه الهجمات تزيد من تصميم أذربيجان على تنويع مصادر دخلها ومواردها الدفاعية بعيدًا عن موسكو.
تحولات في العلاقات مع روسيا
شهدت العلاقات بين أذربيجان وروسيا توترات متزايدة، خاصة بعد حادثة إسقاط طائرة الخطوط الجوية الأذربيجانية في عام 2024 بواسطة صاروخ روسي. هذا التحول في العلاقات يرسل رسالة قوية إلى موسكو مفادها أن باكو لم تعد تعتمد عليها كما كانت في الماضي. ومن خلال الاتفاقيات الدفاعية والطاقة الموقعة مع أوكرانيا، تسعى أذربيجان لتقليص النفوذ العسكري الروسي في المنطقة.
إضافةً إلى ذلك، تسعى أذربيجان إلى تطوير قاعدة صناعية دفاعية مشتركة مع أوكرانيا، ما يعزز قدراتها العسكرية ويحد من الضغط الذي مارسته روسيا في الماضي. يبدو أن هذه التحولات تمثل استعداد أذربيجان لمواجهة الضغوط العسكرية المستقبلية من موسكو.
أكد كل من علييف وزيلينسكي دعمهما المتبادل لوحدة أراضي واستقلال كل من البلدين. وتعتبر هذه الاتفاقيات جزءًا من استراتيجية أذربيجان لتوطيد علاقاتها مع دول ما بعد الاتحاد السوفيتي وتوسيع تعاونها مع أوكرانيا في قطاعات حيوية مثل الطاقة والدفاع. تسعى باكو من خلال هذه الاتفاقيات إلى تعزيز استقلالها عن موسكو، بينما تعمل على بناء قوة عسكرية واقتصادية أكثر استقرارًا.
لا تهدف هذه الاتفاقيات إلى قطع العلاقات بين أذربيجان وروسيا، لكنها تعكس تحولًا في السياسة الأذربيجانية نحو تعزيز علاقاتها مع أوكرانيا، بعيدًا عن النفوذ الروسي. وفيما ينتظر الجميع رد روسيا، تظهر باكو وأوكرانيا كدولتين تسعيان إلى تعزيز قدراتهما الدفاعية والاقتصادية بشكل مشترك، في خطوة قد تُعيد تشكيل التحالفات في المنطقة بشكل غير مسبوق.


