العميد منذر الأيوبي
جريدة الحرة ـ بيروت
من المقرر أن يلتقي الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين في مدينة أنكوريج بولاية ألاسكا يوم غد 15 الجاري 2025، لبحث العديد من الملفات الشائكة، أبرزها الحرب الروسية – الأوكرانية، حيث ألمح ترامب إلى إمكانية التفاوض على “تبادل أراضٍ” بين الجانبين كجزء من تسوية محتملة، في حين يرى محللون أن بوتين قد يسعى للحصول على السيطرة الكاملة على ما تبقى من إقليم دونيتسك مقابل وقف إطلاق النار. فيما أبدت كل من أوروبا وأوكرانيا تحفظات كبيرة على هذا النهج، محذّرتين من أن أي اتفاق دون مشاركة كييف سيكون مرفوضًا وغير شرعي.
ينظر الاتحاد الأوروبي إلى القمة بقدر من التحفظ والقلق، لأسباب عدة:
1- إن أي مفاوضات حول مستقبل أوكرانيا يجب أن تتم بمشاركة كييف، وتجاوز هذا المبدأ يهدد أسس القانون الدولي. كما يعتبر تغييب الرئيس الأوكراني المعني المباشر بفتح الباب أمام اتفاقات غير شرعية أو صعبة التنفيذ.
2- يخشى الأوروبيون من صفقة سريعة أو اتفاق مريح بين الرئيسين ترامب-بوتين على حساب القيم والمبادئ، دون معالجة جذور الأزمة. إضافة إلى أن الكرملين لن يتوانى عن استثمار انعقاد القمة على الأراضي الأميركية كإنجاز دبلوماسي. من هذين المنطلقين أُعلن دعم غربي كامل لموقف أوكرانيا القاضي بأن “لا أحد يملك الحق في التفاوض على أراضيها سواها”، مع تنسيق محادثات موازية للتأكيد على هذا المبدأ.
3- التحذير من إضعاف التحالف الغربي، اذ يرى قادة الدول المشاركة في حلف شمال الأطلسي NATO أن اتفاق ثنائي أميركي–روسي دون تشاور كامل مع أوروبا سيضر بوحدة الحلف ويضعف الموقف التفاوضي المشترك.
تزامنًا؛ شدد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على أن بلاده لن تتنازل عن أي جزء من أراضيها، مؤكدًا أن أي اتفاق يتم دون مشاركة أوكرانيا سيكون “ميتاً في المهد”.
لكن السؤال الأساس: هل يُعتبر استبعاده نتيجة مزيج من الحسابات الشخصية السياسية والدبلوماسية؟
يمكن قراءة الأسباب وفقآ للتالي:
1- رغبة في محادثات ثنائية مباشرة وسريعة توصل إلى اتفاق مبدئي دون تدخل طرف او أطراف ثالثة تُبطئ المفاوضات.
2- محاولة فرض أمر واقع على أوكرانيا، فتغييبها يمنح مساحة زمنية للبحث والتوافق على قضايا حساسة مثل “تبادل الأراضي” أو الترتيبات الأمنية ضمن رؤية -فرض النتائج- كخارطة طريق لمسار الحل السلمي الدائم أو هدنة مؤقتة طويلة تؤدي إليه لاحقًا.
3- اعتبارات سياسية داخلية ليس أقلها تقديم “إنجاز دبلوماسي سريع” للجمهور الأميركي يعزز صورة ترامب داخليًا، حتى لو كان الاتفاق مؤقتًا. بالمقابل مصلحة روسية في تقليص حجم الرفض الاوكراني، لتجنّب تعطيل أي مقترحات روسية مستقبلًا تضمن الحصول على اعتراف أو مكاسب قبل الدخول في مفاوضات مباشرة.
في سيناريوهات لقاء القمة وما المتوقع من الرئيس بوتين يمكن إدراج التالي:
١- أن يتخذ موقفًا متوازنًا بين المرونة الظاهرة والتشدد الاستراتيجي. وفي أبسط صورة، قد يقدم تنازلات شكلية وغير جوهرية، مثل تبادل الأسرى أو فتح ممرات إنسانية، إظهارًا لحسن النية وتحقيق إنجاز دبلوماسي في آن، يمنحه فرصة كسب الوقت وتحسين صورته الدولية.
٢- موافقة على هدنة مؤقتة أو اتفاق وقف إطلاق نار محدود مدته عدة أشهر، يسمح لموسكو بإعادة ترتيب قواتها وتعزيز مواقعها دون التخلي عن الأراضي التي سيطرت عليها حتى الآن.
٣- أما في السيناريو الأقل احتمالًا وغير المنسجم مع فكر بوتين ورؤيته الاستراتيجية، فهو تقديم تنازلات جوهرية كالتراجع عن أجزاء من الأراضي الأوكرانية مقابل رفع جزئي للعقوبات الاقتصادية أو مكاسب جيوسياسية في أماكن أخرى من العالم. هذا يتطلب ضغوطًا غير قابلة للصرف لدى الكرملين.
٤- يتمسك بوتين بتشدد كامل ويرفض أي تنازلات كبيرة، خاصة إن كان يثق في قوة موقفه الميداني ويدرك ضعف الضغوط الغربية الحالية، وبالتالي يدفع الرئيس ترامب إلى إظهار مرونة نحو قبول بالحد الأدنى من مطالب ومقترحات تثبت صورته كساعٍ للسلام على ما يرغب.
سياقًا، تمثل القمة فرصة تاريخية، لذا فإن أقل الاحتمالات تكمن في التوصل إلى صفقة شاملة تتضمن تنازلات متبادلة كبيرة وترتيبات أمنية طويلة الأمد، تتطلب إرادة سياسية قوية من كلا الجانبين لإنهاء النزاع بشكل نهائي. ورغم أهميتها ودورها، يبقى فرض مقرراتها أمرًا بالغ الصعوبة في الظروف الراهنة. إذ ان سيادة أوكرانيا ورفضها القاطع اي تنازل عن أراضيها يمثل حجر الزاوية في موقف يحظى بدعم قوي من الغرب، وضمنًا الولايات المتحدة.
ثم إن القانون الدولي والشرعية الدولية يلعبان دورًا حاسمًا في حماية وحدة الأراضي الأوكرانية، مما يجعل أي اتفاق يُفرض خاصع للنقض والانتقاد. علاوة على ذلك، لا يمكن تجاهل القوة الوطنية والمعنوية لأوكرانيا إلى جانب الدعم الشعبي والسياسي الواسع لتصبح اتفاقات غير توافقية أمرًا محفوفًا بمخاطر تصعيد إضافي، وربما بتقويض الاستقرار الإقليمي والأوروبي بشكل أوسع. من هنا تبدو التسوية الواقعية الوحيدة القابلة للتطبيق مفاوضات شاملة تراعي مصالح الأطراف كافة.
من جهة أخرى؛ إلى جانب الملف الأساسي، من المتوقع أن يشكل الشرق الأوسط أحد المواضيع الهامة للبحث. فالمنطقة لها دورها في رسم ملامح السياسة الدولية خلال السنوات المقبلة؛ وستبقى محورًا حيويًا للصراعات الدولية والتوازنات الجيوسياسية، كما تحظى باهتمام خاص من القوتين العظميين لتأثيرها على الأمن العالمي وأسواق الطاقة.
في ظل هذه التعقيدات الإقليمية يصبح الهدف استكشاف آليات تنسيق تخفض منسوب التوتر في بعض الملفات، ايران، اسرائيل، سوريا، الخ… إضافة إلى تبادل الطرفين رؤى حول مكافحة الإرهاب والتطرف. كذلك التطرق إلى مبادئ عامة بشأن أمن الطاقة والتجارة واستقرار أسواق النفط، وحرية الملاحة في مضائق حيوية في ظل التصعيد المستمر في بعض المناطق.
أخيرًا؛ وعلى سبيل المعلومات، تحمل القمة رمزية كبيرة باعتبارها أول لقاء ثنائي بين الرئيسين الأميركي والروسي على الأراضي الأميركية منذ سنوات، واختيار ألاسكا ذو رمزية ودلالات:
- الموقع الجغرافي الاستراتيجي بين روسيا والولايات المتحدة، حيث يفصل بينهما مضيق بيرينغ، مما يجعلها نقطة وسط طبيعية تعبّر عن جسر تواصل جغرافي بين الطرفين.
- رمزية تاريخية ودبلوماسية؛ ألاسكا كانت في الأصل جزءًا من الإمبراطورية الروسية قبل أن تبيعها للولايات المتحدة في القرن الـ19، لذا فإن اختيارها يحمل إشارة تاريخية إلى العلاقات بين البلدين وإمكانية استعادة دفئها.
- مكان محايد وآمن قاعدة ELMENDORF RICHARDSON الجوية، مما يسهل تنظيم الحدث ويضمن بيئة أمنية مع مراقبة دقيقة.
- رغبة في إظهار جدية الحوار عبر اختيار مكان خارج العواصم التقليدية او المناسبات الظرفية، ما يعكس رغبة خلق أجواء جديدة ومغايرة، بعيدًا عن الضغوط السياسية المحلية والرأي العام.
عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية


