الثلاثاء, يناير 13, 2026
12.4 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لماذا انسحب بايدن من أفغانستان، ولماذا يصرّ ترمب على العودة إليها؟

الدكتور عبد الرؤوف سنّو

جريدة الحرة بيروت

 من نهاية الحرب في العام 2021.. إلى الصراع على النفوذ والمعادن النادرة وطرق المواصلات.

بقلم : د .عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث

بعد أقل من شهر واحد من هجمات 11 سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن، بدأت القوات الأميركية في عهد الرئيس جورج دبليو بوش تغزو أفغانستان في تشرين الأول 2001، لتحقيق هدفين اثنين: مطاردة تنظيم القاعدة المسؤول عن تنفيذ الهجمات على المدينتين، والاطاحة بطالبان التي أمنت المخبأ لأسامة بن لادين. وكان الهدف المعلن للغزو، القضاء على الإرهاب، وبناء دولة ديمقراطية تتمتع بمؤسسات تعليمية وحقوق للمرأة، فضلا عن حكومة مركزية قوية. أما عن الأسباب الخفية للاحتلال الأميركي، بعيدا عن الرواية الرسمية، فهي: المصالح الجيوسياسية والتموضع عند مفترق طرق استراتيجية بين آسيا الوسطى وكل الصين وإيران وباكستان ما يسهل على الولايات المتحدة مراقبة تلك المنطقة أو التدخل فيها. أما المصالح الاقتصادية، فكانت التحكم بالموارد الطبيعية التي تحتويها أفغانستان.

والمعروف أن هجمات 2001 شكلت ضغطا على الإدارة الأميركية في الداخل، كدولة عظمى أُهينت في عقر دارها على يد تنظيم إرهابي زعزع صورتها كأقوى دولة في العالم. وهناك سبب عسكري، أن الإدارة الأميركية اعتبرت أفغانستان ميدانا لاختبار تقنيات جديدة في الحرب الجوية، والاستخبارات والمراقبة الحديثة.

1- أسباب الانسحاب الأميركي من أفغانستان في عهد بايدن
بعد تدهور الأوضاع في أفغانستان خلال العام 2021، وانهيار حكومتها ومؤسساتها، وسقوط عاصمها كابول في أيدي طالبان، اعتبر الرئيس جو بايدن أن سحب قواته من أفغانستان “هو أفضل خيار”، لأنها “لا تستطيع أن تحارب، وعليها ألا تقاتل في حرب يموت فيها جنودها وحدهم، فيما لا ترغب القوات الأفغانية في القتال من أجل نفسها”. ورأى أن القوات الأميركية لا يمكنها البقاء إلى الأبد في البلاد، ويمكن التعويض عن الوجود الأميركي فيها بعمليات ردع استخباراتية دقيقة، وليس بوجود جيش ضخم. واعتقد أنه يمكن تحويل الموارد المالية التي تصرف على أفغانستان إلى الداخل الأميركي، (اقتصاد، تعليم، تكنولوجيا) وبالتالي التفرغ للمنافسة مع الصين وروسيا.

ومما قاله بايدن، إنه لا يمكن بناء دولة ديمقراطية مستقرة كأفغانستان بالقوة العسكرية، وأن بقاء الجيش الأميركي فيها سوف يعرضه للمزيد من الخسائر في “المستنقع” الأفغاني. وحتى تاريخ الانسحاب في آب 2021، أي بعد عشرين سنة من تاريخ الغزو، بلغت الخسائر البشرية بين جنوده أكثر من2,400 ، فيما وصلت الكلفة الإجمالية على الاقتصاد الأميركي نحو 2,3 تريليون دولار. وفي النهاية، وفقا لبايدن، لم يتمكن الأميركيون من تحقيق الاستقرار فيها، فيما تعبت بلاده من حروبها الخارجية، ومن مصلحتها الاستراتيجية المؤلمة الخروج من أفغانستان. فكان تفكيره واقعيا اتجه نحو التركيز على الدبلوماسية والاقتصاد والتحالفات.

وجاءت تعليقات بايدن المتوالية عقب الانسحاب، بعدما نقلت وسائل الإعلام الدولية حالة الفوضى التي عمت مطار كابول من جراء تقدم طالبان نحوه من جهة، وتجمّع آلاف الأفغان اليائسين هناك للفرار من البلاد مع القوات الأميركية قبل سقوطها كليا في أيدي التنظيم الأصولي من جهة أخرى. وكانت أكثر اللحظات رمزية ومأساوية، عرض شريط فيديو لشابين أفغانيين تعلقا بعجلات طائرة نقل أميركية في أثناء إقلاعها، ثم سقوطهما بعد قليل إلى الأرض. وكان جيل الشباب الأفغاني يأمل في أن يؤدي الاحتلال الأميركي لبلادهم إلى تخليصها من طالبان. وشبّهت صحيفة لو موند (Le Monde)سقوط الشابين من الطائرة بـ “باب الخلاص الذي أُغلق في وجه جيل (أفغاني) كامل”. وبعد استيلاء طالبان على السلطة، حُظّر على الفتيات الدراسة فوق سن الثامنة، وانتشرت البطالة، وفقد الشباب الأمل بغد أفضل.

صحيح أن الانسحاب الأميركي سبق أن تقرر في أثناء رئاسة ترمب الأولى، لكن تنفيذه تم بطريقة غير منظمة في عهد بايدن، ما جعل الأميركيين يتخلون عن معدات وأسلحة لطالبان فاقت قيمتها 7 مليارات دولار أميركي. ومن وجهة نظر بايدن، كان الانسحاب ضروريا، لطي صفحة أفغانستان، بعد عشرين سنة من دون أفق أو نهاية، والتركيز على العملاق الصيني وصعود روسيا السريع.

2- لماذا يرد ترمب دورا جديدا لأميركا في أفغانستان؟
فيما كان بايدن ينتمي إلى المدرسة الواقعية الليبرالية التي تركز على الدبلوماسية والاقتصاد والتحالفات، انتمى ترمب إلى المدرسة القومية الشعبوية التي تؤمن بالقوة العسكرية والهيبة وبعظمة أميركا قبل أي شيء آخر. صحيح أن الأخير هو من عقد صفقة الانسحاب مع طالبان، وبايدن الذي نفذها، إلا أن ترمب رأى أن استعادة القاعدة هو تكفير عن خطأ الرئيس بايدن في الانسحاب منها، ما يجعله “البطل” الذي يدافع عن مصالح بلاده، ويعزز بالتالي صورته انتخابيا كقائد قوي، خصوصا تطلعه إلى رئاسة ثالثة لا يقرها الدستور الأميركي.

فبموجب التعديل الثاني والعشرين من الدستور الأميركي الذي أقر في العام 1951، لا يجوز انتخاب أي شخص لرئاسة الولايات المتحدة أكثر من مرتين، سواء كانت الولايتان متتاليتين أو مفصولتين. وبالتالي فإن تفكير ترمب بولاية ثالثة، حتى بعد انقطاع، يُعدّ مخالفًا للدستور وغير قابل للتطبيق قانونًا. وأي تغيير في دستور الولايات المتحدة لن يحدث إلا بعد مغادرته منصبه.

وقد رأى ترمب أن ورقة أفغانستان قد ضاعت ويجب استعادة نفوذ بلاده فيها. فطريقة الانسحاب، برأيه، كانت “مهينة لأميركا”. وكونه تاجرا وساعيا إلى القوة العسكرية بعد تغيير اسم البنتاغون إلى وزارة حرب، رأى أن العالم ساحة نفوذ، لا ساحة تحالفات، وفي قاعدة باغرام (Bagram Airbase) في أفغانستان، ليس مجرد تموضع جوي أميركي، بل رمزا لهيبة بلاده، ما كان يجب الانسحاب منها. وهذا ليس بالضرورة من أجل الحرب، بل للعودة إلى السيطرة على منطقة ذات حيوية استراتيجية لنفوذ أميركا، يمكنها من استعادة دور استراتيجي في المنطقة، كما سبق الذكر، خصوصا في مراقبة الصين. فتتمتع القاعدة بمدرجين طول الواحد منهما أكثر من ثلاثة كيلومترات مهمة للطائرات الضخمة، وتقع على مسافة 50 كيلومترا خارج كابول. وصرح الرئيس أن باغرام لا تبعد أكثر من ساعة عن مصانع الصواريخ النووية الصينية في شينجيانغ (Xinjian). ومن خلالها، يمكن لبلاده أن تتموضع على مقربة 800 كيلومترا من الحدود الصينية، وعلى بُعد 2,400 كيوامترا من مصانع الصواريخ النووية الصينية. وبالإضافة إلى ذلك، تؤمن القاعدة وجودا عسكريا/استخباراتيا دائما، ففي مدى ثماني ساعات طيران منها، يمكن الإشراف على نسبة 85% من سكان العالم، وأكثر من نصف اليابسة.

وهذا يعطي بلاده هامشًا للتفاوض في مسارات أنابيب، وسكك حديد وطرق، وشبكات اقتصادية، أو منافذ لنفوذ في آسيا الوسطى: باكستان، والصين، وإيران، والهند.

ومن الناحية الاقتصادية، تمتلك أفغانستان ثروة معدنية ضخمة من المعادن النادرة النبيلة غير الوقودية: مثل الذهب والنحاس والحديد والليثيوم، ما يجعلها تلك المعادن تساوي نفط السعودية، من ناحية الاحتياطات المهمة، ومن العناصر النادرة التي أصبحت محورية للتكنولوجيا العالية، كالسيارات الكهربائية، والطاقات المتجددة، وللتطبيقات العسكرية. ولدى أفغانستان احتياطات ضخمة من النحاس تقدر بـ 2.2 مليار طن من خامات الحديد، و60 مليون طن من النحاس، ومن الذهب 21.87 طن. ولهذه الأسباب، عملت الصين على ملء الفراغ في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي منها، وفرض هيمنة اقتصادية عليها.

وتعتقد واشنطن أن الصين تريد أن تقطع عليها الاتفاق المعقود بينها وبين أفغانستان في العام 2017 لتطوير احتياطيات الأخيرة من المعادن الأرضية النادرة، وذلك بالرغم من عدم توافر البنية التحتية القوية في البلاد، وانعدام الحوكمة إلى حد كبير، بالإضافة إلى المخاطر الأمنية العالية لوجود داعش-خراسان فيها. من هنا، وفي ضوء الحرب التجارية مع الصين، وفرض الرسوم الجمركية الهائلة عليها، يرى ترمب أن وجود قاعدة باغرام يعزز مكانة بلاده التفاوضية، ويمنع الصين من الهيمنة الكاملة على تلك الموارد النادرة.

ومن منطلق سيادي وأيديولوجي، رفضت طالبان بشدة، حتى الان، سعي ترمب لاستعادة باغرام، مستندة إلى اتفاق الدوحة الذي “تعهدت الحكومة الأميركية بموجبه بألا تستخدم القوة ضد أراضي أفغانستان وسيادتها واستقلالها السياسي”، حتى أنها رفضت التفاوض مع الأميركيين على ذلك. ولهذا، صرح ترمب بمنطق ابتزازي بالقول: “لقد أعطينا القاعدة لطالبان لقاء لا شيء، نريد استعادتها… وإلا ستحدث أشياء وخيمة”.

3- الاستنتاج: أفغانستان بين الجغرافيا والاقتصاد في سباق القوى الكبرى
من خلال تتبّع المواقف والتصريحات الصادرة عن الرئيس ترمب، يتّضح أنّ إصراره على العودة إلى أفغانستان وتفعيل قاعدة باغرام، ليسا مجرد استعادة رمزية لوجودٍ عسكريٍّ فقدته بلاده قبل أعوام قليلة، بل يشكّلان امتدادًا لرؤيته السياسية التي تمزج بين المنفعة الاستراتيجية في الخارج والمردود الاقتصادي والسياسي في الداخل. فهو يسعى من جهةٍ إلى إعادة تثبيت نفوذ بلاده في منطقةٍ تتقاطع فيها مصالح الصين وروسيا وإيران، بما يتيح لها مراقبة الممرات الاقتصادية الكبرى، ومصادر المعادن النادرة، ومن جهةٍ أخرى إلى توظيف هذا الخطاب في الداخل الأميركي لتعزيز صورته كقائدٍ قويٍّ يستعيد ما “أضاعته” الإدارات السابقة، ويعيد لأميركا “هيبتها” ومكانتها العالمية. ومن هذا المنطلق، تصبح فكرة العودة إلى باغرام حلقةً في مشروعٍ أوسع يتجاوز الحسابات العسكرية إلى رهانٍ مزدوجٍ: خارجيٍّ على النفوذ الاقتصادي، وداخليٍّ على المكاسب الانتخابية والسياسية.

وفي هذا السياق، يبرز البعد الاقتصادي المتمثل في الثروات المعدنية الهائلة التي تختزنها أفغانستان، وفي مقدّمها الليثيوم والنحاس والذهب والعناصر النبيلة الأخرى التي باتت محطّ تنافس أميركي-صيني-روسي متسارع، مما يدفع واشنطن إلى التفكير بتمركز يتيح لها مراقبة هذا القطاع أو المشاركة فيه.

غير أن هذه العودة تصطدم بعقبات قانونية وسيادية، إذ تعتبر حركة طالبان أن أي وجود عسكري أجنبي هو خرق لاتفاق الدوحة واعتداءً على سيادتها، الأمر الذي يجعل أي تموضع أميركي جديد مشروطًا بتفاهم دولي، أو بمسوّغ أمني تحت شعار مكافحة الإرهاب، ولا سيما تنظيم داعش-خراسان. وإلى جانب هذه المعطيات، يبقى البعد المالي والسياسي حاضرًا بقوة، إذ إن إعادة تشغيل القاعدة ستتطلب كلفة مالية مرتفعة، لكنها في المقابل تمنح واشنطن عائدًا استراتيجيًا مضاعفًا يتمثل في استعادة نفوذها الإقليمي وموازنة تمدّد الصين في إطار “طريق الحرير الجديد”، فضلاً عن مكاسب اقتصادية محتملة في مجال المعادن النادرة.

أخيرا، يتّضح، من مجمل المعطيات التي تناولناها، أنّ أفغانستان تحوّلت من ساحة صراع عسكري إلى مسرح تنافس جيو-اقتصادي بين الولايات المتحدة والصين، تدور محاوره حول المعادن النادرة، وخطوط الممرات التجارية، ومواقع النفوذ الاستراتيجي. فالصين تسعى عبر “طريق الحرير” إلى ربط نفسها بآسيا وأفريقيا وأوروبا عبر شبكاتٍ من الممرات البرية والبحرية والبنى التحتية، لتعزيز نفوذها التجاري والعالم، فضلا عن دمج أفغانستان في منظومتها الاقتصادية لتأمين موارد الطاقة والمعادن وربط آسيا الوسطى بالمحيط الهندي.

من هنا نفهم أيضا، لماذا يصرّ ترمب، تزامنا مع مشروع العودة إلى أفغانستان، على رؤيته الاستراتيجية العالمية لشراء غرينلاند من الدنمارك ويطالب بضم كندا إلى بلاده، ولو بشكل غير رسمي، لعلاقتهما بذوبان الجليد في القطب الشمالي. ففي حالة غرينلاند، يدرك الرئيس أن ذوبان الجليد في القطب الشمالي سيحوّل تلك المنطقة إلى ممرّات بحرية دولية جديدة، ويكشف عن موارد استراتيجية ضخمة، ما يجعل من السيطرة على غرينلاند ركيزة أساسية لتعزيز النفوذ الأميركي في مواجهة التمدد الروسي–الصيني في القطب.

فبذوبان الجليد في القطب الشمالي، تنكشف كذلك أراضٍ كانت متجمدة منذ آلاف السنين، ما يتيح إنشاء طرق ومنشآت برية غير مسبوقة في تلك المنطقة. وقد رأى ترمب في غرينلاند موقعًا محوريًا للتحكم بهذه التحولات التي ستعيد رسم الممرّات التجارية والعسكرية في القطب.

أما في موضوع كندا، فتُعدّ كندا الطرف الثاني الأكثر استفادة من ذوبان الجليد في القطب الشمالي، إذ ستُنكشف في شمالها مساحات واسعة من الأراضي التي كانت مغطاة بالجليد الدائم، ما يسمح بفتح طرق برية جديدة وتأسيس بنى لوجستية وموانئ قطبية كانت مستحيلة سابقًا.

كما أن الممرّ الشمالي الغربي الذي يمرّ عبر الجزر الكندية سيصبح أحد أهم المسارات البحرية الدولية، ما يضع كندا في قلب التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين على النفوذ في القطب. وقد تجعل توجّهاته الاستراتيجية ربط كندا بغرينلاند أحد الفوائد المستقبلية لأميركا. وبذلك يصبح القطب الشمالي مجال سباق بين الدول الكبرى على “المياه الدافئة” والممرات المستقبلية. فالتفوّق في هذه المنطقة هو جزء من معركة أوسع على شكل النظام الدولي المقبل، حيث يتقاطع الأمن البحري، والطاقة، والتكنولوجيا، والاقتصاد في مسرح واحد يتقدم بسرعة نحو مركز الاهتمام العالمي.

وبالعودة إلى أفغانستان، تنظر واشنطن مشاريع الصين وروسيا فيها كتهديد مباشر لتوازن القوى العالمي ولمكانتها الصناعية. ومن هنا يُفهم البعد العميق في حديث ترمب عن ضرورة العودة إلى باغرام، ذلك أن الأمر لا يقتصر على استعادة قاعدة عسكرية، بل يتصل بمحاولة استعادة موقعٍ في قلب التوازن الاقتصادي الجديد الذي تعيد الصين رسمه. وهكذا تغدو أفغانستان، مرة أخرى، عقدةَ تنافس تتداخل فيه الجغرافيا السياسية بالاقتصاد، والمعادن بالسياسة، والماضي العسكري بمستقبل الطاقة في العالم.

https://hura7.com/?p=71537

الأكثر قراءة