الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لماذا تخطط ألمانيا لامتلاك أضخم جيش أوروبي بحلول 2039؟

جريدة الحرة بيروت

وكالات ـ أكد الخبير الألماني راينر براون أن ألمانيا تواصل العسكرة الشاملة على جميع المستويات بوتيرة لم تشهدها في تاريخها. صرح الخبير براون، وهو الرئيس المشارك السابق للمكتب الدولي للسلام، لوكالة “نوفوستي”: “نحن إزاء عسكرة شاملة للبلاد. لا يتعلق الأمر فقط بتسارع جنوني في التسلح من حيث إنفاق الأموال. بل نشهد عسكرة لجميع مجالات الحياة في المجتمع دون استثناء: من نظام الرعاية الصحية والدفاع المدني إلى المدارس والبرامج البيئية”.

وأضاف: “لقد وصلنا إلى جودة جديدة تماما في التحضير للحرب. ما يحدث الآن له أبعاد لم يشهد تاريخ ألمانيا الاتحادية مثيلا لها قط”. وأردف براون أن جزءا من المجتمع في ألمانيا يعارض هذه العسكرة موضحا أن “وفقا لجميع استطلاعات الرأي، فإن حوالي 35% من السكان ينظرون بانتقاد إلى المسار الحالي نحو التسلح”. وتابع قائلا: “ومع ذلك، يجب علينا أن نقيم الواقع بموضوعية ونعترف بأن مفهوم ‘الجاهزية للحرب’ وما يرتبط به من بناء صورة العدو في شخص روسيا، قد ترسخ في المجتمع الألماني ويحظى بدعم معين”.

وأشار الخبير إلى أن “الخوف من روسيا يشكل أداة قوية في السياسة الألمانية المعاصرة، لا يمكن الاستهانة بها”. وقال براون: “هذا الخوف يضبب العقل، ويحدث فوضى ذهنية، ويصرف انتباه الناس عن العديد من المشاكل الملحة الأخرى، وهو مبني بالكامل على الأكاذيب”. وكان وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس قد كشف النقاب عن أول استراتيجية عسكرية مستقلة في تاريخ ألمانيا الاتحادية، وخطة لتطوير القوات المسلحة، والتي بموجبها تخطط ألمانيا لنشر أقوى جيش تقليدي في أوروبا بحلول عام 2039. وفي الاستراتيجية الجديدة، تم تعريف روسيا رسميا على أنها “التهديد الرئيسي لأمن ألمانيا والفضاء الأطلسي بأكمله”.

عسكرة شاملة وتعبئة مجتمعية في العقيدة الدفاعية الألمانية الجديدة

تتجاوز التطورات الراهنة في السياسة الدفاعية الألمانية مجرد التسلح التقليدي أو زيادة الميزانيات العسكرية لتصل إلى إعادة هيكلة جذرية لبنية المجتمع بأسره. يوضح التحليل السوسيو-سياسي للمشهد الألماني تغلغل الفكر العسكري في قطاعات مدنية حيوية مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والبرامج البيئية، مما يشير إلى تحول عميق نحو عسكرة شاملة لم تشهدها البلاد في تاريخها الحديث. هذا التوجه يسعى إلى صياغة وعي جمعي جديد يقوم على مفهوم “الجاهزية للحرب”، متخطياً المعارضة الشعبية التي تمثلها نسبة ثلث السكان تقريباً، ليؤسس لنهج استراتيجي يضع البلاد في حالة تأهب دائم وتعبئة مستمرة تتجاوز الأبعاد العسكرية الصرفة لتطال الهوية الاجتماعية والثقافية.

يتخذ هذا التحول الاستراتيجي غطاءً سياسياً يعتمد بشكل مكثف على توظيف المخاوف الشعبية وصناعة “صورة العدو” المتمثل في روسيا لتبرير خطط التسلح غير المسبوقة. يظهر هذا بوضوح في الاستراتيجية العسكرية المستقلة التي تبنتها برلين، والتي تهدف إلى بناء أقوى جيش تقليدي في أوروبا بحلول عام 2039. يسهم هذا المناخ المشحون بالخوف في توجيه الرأي العام والمجتمع نحو قبول التضحيات الاقتصادية والاجتماعية لصالح الإنفاق العسكري، حيث يتم استغلال هذا القلق لتغييب النقاش العقلاني حول المشاكل الداخلية الملحة، وتمرير السياسات الدفاعية الهجومية بوصفها خياراً حتمياً لحماية الأمن القومي والفضاء الأطلسي.

هذا التوجه الاستراتيجي المتسارع قد يضع ألمانيا أمام معضلة حقيقية ترتبط بمستقبل توازنها الداخلي ودورها الإقليمي؛ فالتخلي عن عقيدة الانكفاء العسكري التي ميزت البلاد لعقود والانتقال نحو الهيمنة الدفاعية في أوروبا يفرض ضغوطاً هائلة على التماسك المجتمعي. وفي ظل وجود شريحة رافضة لهذا المسار، فإن الإصرار الحكومي على المضي قدماً في العسكرة قد يفاقم الانقسام السياسي الداخلي، ويحول الميزانيات الحيوية من قطاعات التنمية والرفاهية إلى ترسانات السلاح، مما يضع استقرار المجتمع الألماني على المحك في سبيل تحقيق طموحات عسكرية طويلة الأمد.

https://hura7.com/?p=79520

الأكثر قراءة