الأكثر قراءة

لماذا تدعو واشنطن بكين إلى التفاوض؟

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تشهد العلاقات الأمريكية–الصينية تحولًا متسارعًا في المجال الاستراتيجي، خصوصًا في ظل التغيرات العميقة التي طرأت على ميزان القوى النووي العالمي. ولم تعد الدعوات الأمريكية إلى انضمام الصين إلى مفاوضات الحد من التسلح مجرد مبادرات دبلوماسية متكررة تهدف إلى فتح قنوات الحوار، بل أصبحت تعكس إدراكًا أمريكيًا متزايدًا بأن النظام الاستراتيجي الدولي يدخل مرحلة جديدة تختلف جذريًا عن مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

فبعد التجربة الصينية لإطلاق صاروخ باليستي بحري خلال شهر يوليو، عادت واشنطن لتجدد دعوتها لبكين من أجل الانخراط في مفاوضات تتعلق بالحد من التسلح النووي والصاروخي. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة طرحت هذه الفكرة في مناسبات عديدة خلال السنوات الماضية، فإن أهمية الدعوة الحالية تكمن في تغير الظروف المحيطة بها؛ إذ لم تعد واشنطن تواجه قوة نووية منافسة واحدة كما كان الحال خلال العقود السابقة، بل أصبحت مطالبة بإدارة توازن استراتيجي مع قوتين نوويتين كبيرتين هما روسيا والصين في الوقت نفسه.

إن هذا التحول يفرض على الولايات المتحدة إعادة النظر في حساباتها العسكرية والسياسية، لأن أي تخطيط استراتيجي مستقبلي لم يعد قادرًا على الاعتماد على نموذج الثنائية النووية التقليدية بين واشنطن وموسكو، بل أصبح مرتبطًا بظهور نظام نووي أكثر تعقيدًا يقوم على ثلاثة أقطاب رئيسية تمتلك قدرات استراتيجية مؤثرة.

سياسة الصين النووية

ولأكثر من ثلاثة عقود، حافظت الصين على سياسة نووية تقوم على مبدأ “الردع الأدنى”، حيث كانت ترى أن امتلاك قدرة نووية محدودة تكفي لمنع أي خصم من التفكير في استخدام السلاح النووي ضدها. وقد اعتمدت بكين هذه السياسة باعتبارها مختلفة عن النموذج الأمريكي والروسي القائم على امتلاك ترسانات ضخمة قادرة على تنفيذ ضربات واسعة النطاق.

وبسبب هذا الاختلاف في حجم القدرات، رفضت الصين طوال سنوات الانضمام إلى اتفاقيات الحد من التسلح التي كانت تُبرم بين الولايات المتحدة وروسيا. فقد كانت ترى أن فرض القيود نفسها على دولة تمتلك ترسانة أصغر بكثير من ترسانتي القوتين النوويتين الأكبر في العالم لا يحقق العدالة الاستراتيجية، ولا يتوافق مع مبدأ التكافؤ بين الأطراف.

كما اعتبرت بكين أن الأولوية بالنسبة لها ليست خفض الأسلحة، وإنما ضمان امتلاك قدرة ردع كافية للحفاظ على أمنها القومي في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي. ولهذا ركزت لعقود على الحفاظ على قوة نووية محدودة نسبيًا، مع تجنب الدخول في سباق تسلح واسع مع الولايات المتحدة وروسيا.

إلا أن هذا الواقع بدأ يتغير بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة، حيث شرعت الصين في تنفيذ برنامج واسع لتحديث وتوسيع قواتها النووية الاستراتيجية. وتشير التقديرات الأمريكية إلى أن بكين تعمل على زيادة عدد الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وإنشاء مواقع إطلاق جديدة، وتطوير منظومات إطلاق أكثر قدرة على البقاء، إضافة إلى توسيع أسطول الغواصات النووية الحاملة للصواريخ الباليستية.

كما تعمل الصين على تعزيز قدرات الصواريخ المتحركة التي يصعب استهدافها، وتطوير أسلحة فرط صوتية تتميز بسرعة عالية وقدرة أكبر على المناورة، بما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بواسطة أنظمة الدفاع الصاروخي الحالية. ولا يقتصر هذا التحول على زيادة عدد الأسلحة، بل يمثل تغييرًا في طبيعة القوة النووية الصينية نفسها، حيث تنتقل الصين تدريجيًا من نموذج الردع المحدود إلى بناء قوة استراتيجية أكثر تعقيدًا قادرة على التأثير في الحسابات العسكرية للقوى الكبرى.

العقيدة النووية الصينية

يتمثل التحول الأهم في العقيدة النووية الصينية في انتقالها من التركيز على ضمان القدرة على الرد فقط إلى بناء قوة قادرة على اختراق منظومات الدفاع الصاروخي المتطورة التي تطورها الولايات المتحدة وحلفاؤها. ففي الماضي، كان الهدف الأساسي للصين يتمثل في الحفاظ على قدرة انتقامية تمنع أي هجوم نووي محتمل، أما اليوم فقد أصبح الاهتمام منصبًا بصورة أكبر على تطوير وسائل تضمن وصول الصواريخ الصينية إلى أهدافها حتى في ظل وجود شبكات دفاع صاروخي متقدمة.

ولهذا تعمل بكين على تطوير مزيج من القدرات يشمل الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ فرط الصوتية، والمنصات البرية والبحرية المتنوعة، إضافة إلى تحسين أنظمة القيادة والسيطرة والإنذار المبكر. ويهدف هذا التطوير إلى خلق قدرة استراتيجية يصعب تحييدها، بحيث لا تستطيع أي قوة منافسة الاعتماد على الدفاعات الصاروخية وحدها لمنع الرد الصيني. فكلما ازدادت قدرة الصواريخ على المناورة والاختراق، أصبحت منظومات الدفاع أكثر تكلفة وتعقيدًا.

وهنا يكمن مصدر القلق الأمريكي؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بامتلاك الصين عددًا أكبر من الصواريخ، بل بقدرتها المتزايدة على تغيير قواعد الردع النووي التقليدية التي استقرت لعقود.

الخطط الأمريكية الجديدة في المنطقة

فرض التطور الصيني الجديد تحديات كبيرة على التخطيط العسكري الأمريكي. فقد كانت الاستراتيجية الأمريكية خلال العقود الماضية تقوم بدرجة كبيرة على مراقبة القدرات الروسية وإدارة التوازن النووي معها، إلا أن صعود الصين كقوة نووية متقدمة دفع واشنطن إلى إعادة صياغة حساباتها. ولم تعد الولايات المتحدة تستعد لمواجهة منافس واحد، بل أصبحت مطالبة ببناء منظومة ردع قادرة على التعامل مع بيئة استراتيجية تضم قوتين نوويتين كبيرتين في وقت واحد.

وفي هذا السياق، تعمل واشنطن على تطوير منظومات دفاع صاروخي جديدة، من بينها مشروع “القبة الذهبية”، كما تعزز وجودها العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتوسع تعاونها الدفاعي مع حلفائها في آسيا، خصوصًا اليابان ودول أخرى ترى فيها واشنطن عناصر أساسية في مواجهة النفوذ الصيني المتزايد.

كما تسرّع الولايات المتحدة تطوير الصواريخ الاعتراضية وأسلحة الطاقة الموجهة، إضافة إلى تعزيز قدرات المراقبة والإنذار المبكر، بهدف بناء منظومة دفاعية قادرة على مواجهة التهديدات الصاروخية المستقبلية. لكن هذه الإجراءات لا تعني فقط تعزيز الدفاع، بل تشير أيضًا إلى بداية مرحلة جديدة من المنافسة الاستراتيجية، حيث تحاول كل قوة تطوير وسائل تمنحها أفضلية في حال وقوع أزمة مستقبلية.

لماذا أصبحت واشنطن أكثر اهتمامًا بالتفاوض؟

في ضوء هذه التحولات، لم تعد الدعوات الأمريكية إلى الحد من التسلح مجرد رغبة في استئناف الحوار الدبلوماسي، بل أصبحت محاولة لإدارة سباق تسلح جديد قبل أن يصل إلى مرحلة يصعب السيطرة عليها. فالتاريخ الدولي يظهر أن القوى الكبرى لا تلجأ عادة إلى اتفاقيات الحد من التسلح إلا عندما تدرك أن استمرار المنافسة العسكرية قد يؤدي إلى تكاليف مرتفعة ومخاطر متزايدة. وهذا ما حدث خلال الحرب الباردة عندما اضطرت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي إلى بناء آليات للحد من الأسلحة النووية بسبب الخطر الكبير الذي مثله سباق التسلح المفتوح.

واليوم تواجه واشنطن وضعًا مشابهًا، لكن بدرجة أكثر تعقيدًا، إذ يتعين عليها الحفاظ على التوازن النووي مع روسيا، وفي الوقت نفسه التعامل مع الصعود السريع للقدرات الاستراتيجية الصينية. ومن هنا، فإن التفاوض مع الصين لا يعني بالضرورة رغبة أمريكية في إنهاء المنافسة، بل محاولة لوضع قواعد لإدارة هذه المنافسة وتقليل مخاطر سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود.

كيف ستتطور العلاقات الصينية–الأمريكية الجديدة؟

من المتوقع أن تدخل العلاقات بين واشنطن وبكين مرحلة تجمع بين المنافسة والحوار في آن واحد. فالصراع على النفوذ العسكري والتكنولوجي سيستمر، لكن الطرفين يدركان في الوقت نفسه أن المواجهة المباشرة بين قوتين نوويتين ستكون ذات تكلفة هائلة. ولهذا قد تشهد المرحلة المقبلة استمرارًا في تطوير القدرات العسكرية، بالتوازي مع الحفاظ على قنوات اتصال سياسية وعسكرية تهدف إلى منع تحول الأزمات إلى مواجهات مفتوحة.

كما أن هذا التحول لا يقتصر تأثيره على الصين والولايات المتحدة فقط، بل يمتد إلى روسيا أيضًا. فزيادة القدرات النووية الصينية تدفع واشنطن إلى إعادة توزيع مواردها العسكرية والتركيز بصورة أكبر على منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وهو ما يؤثر في طبيعة الانتشار العسكري الأمريكي وأولويات السياسة الدفاعية الأمريكية. ومن وجهة النظر الروسية، فإن أهمية التحول الصيني لا تكمن فقط في نمو القوة النووية لبكين، بل في تأثير هذا النمو على الاستراتيجية الأمريكية العالمية، إذ قد يؤدي إلى تغيير طبيعة توزيع القوات والموارد الأمريكية بين أوروبا وآسيا.

الاتفاق القادم بين العملاقين بعد المفاوضات المقبلة

على الرغم من تصاعد الدعوات الأمريكية إلى فتح مفاوضات مع الصين، فإن إمكانية التوصل إلى اتفاق شامل للحد من الأسلحة النووية بين البلدين خلال السنوات القليلة المقبلة تبدو محدودة. فالصين ترى أن تعزيز قدراتها الاستراتيجية يمثل خطوة ضرورية لتحقيق مستوى أكبر من التكافؤ مع الولايات المتحدة، بينما تسعى واشنطن إلى الحد من سرعة هذا التطور أو وضع قيود عليه قبل أن تصل الصين إلى مستوى يصعب التحكم به.

ولهذا فمن المرجح أن تركز أي مفاوضات أولية بين الجانبين على قضايا مثل زيادة الشفافية، وإنشاء آليات اتصال عسكرية، ومنع سوء الفهم، وإدارة المخاطر النووية، بدلًا من الاتفاق على خفض كبير في أعداد الأسلحة. كما سيبقى التنافس بين القوتين متركزًا على المجالات التكنولوجية المتقدمة، مثل الصواريخ فرط الصوتية، وتقنيات اختراق الدفاعات الصاروخية، وأنظمة الإنذار المبكر الفضائية، والذكاء الاصطناعي المستخدم في دعم القوات الاستراتيجية.

بالنهاية ، إن عودة الولايات المتحدة إلى طرح ملف الحد من التسلح مع الصين تعكس بداية مرحلة جديدة في العلاقات الاستراتيجية الدولية. فالعالم لم يعد يعيش في ظل نظام نووي ثنائي بين واشنطن وموسكو فقط، بل يتجه تدريجيًا نحو نظام ثلاثي الأقطاب تشارك فيه الصين كلاعب رئيسي. ولهذا يتحول انخراط بكين في مفاوضات الحد من التسلح من خيار سياسي يمكن تأجيله إلى ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات في ميزان القوى العالمي.

ومستقبل الاستقرار النووي لن يعتمد فقط على العلاقات الروسية–الأمريكية، بل سيصبح مرتبطًا بدرجة كبيرة بمسار المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، وبقدرة القوى الثلاث على إدارة هذا التنافس بطريقة تمنع سباق تسلح مفتوح وتحافظ على الحد الأدنى من التوازن الاستراتيجي في النظام الدولي.

https://hura7.com/?p=82470

الأكثر قراءة