الأكثر قراءة

لماذا تشكك دول أوروبية بقدرة ألمانيا وفرنسا على تمثيلها بمفاوضات أوكرانيا؟

جريدة الحرة بيروت

وكالات ـ لم يعد خافياً أن ثقل الثنائي الألماني الفرنسي يواجه اختباراً حقيقياً غير مسبوق داخل المنظومة الأوروبية؛ فالاحتكاك المباشر لدول الجوار الجغرافي مع التهديدات الروسية المتصاعدة خلق شعوراً عميقاً بأن برلين وباريس تديران الأزمة الأوكرانية بمنظور إقليمي ضيق يخدم مصالحهما السياسية والاقتصادية الخاصة، أكثر من كونه تعبيراً صادقاً عن إجماع قاري موحد يضمن أمن جميع الدول الأعضاء بلا استثناء. هذا الضعف التدريجي في الثقة المتبادلة يعكس أزمة أعمق تتعلق بمدى قدرة القوى الكبرى التقليدية داخل الاتحاد الأوروبي على احتواء هواجس الدول الأصغر حجماً والتي تتواجد في خط المواجهة الأول. إن هذا الانفصال في الرؤى بين “أوروبا الغربية” و”أوروبا الشرقية” لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحول إلى فجوة استراتيجية تهدد تماسك الاتحاد ككتلة تفاوضية واحدة.

إرث الجغرافيا وانعكاسات التاريخ على صياغة المواقف الأمنية

تستند هواجس دول البلطيق، وبولندا، وهنغاريا إلى قراءات تاريخية عميقة لطبيعة العلاقات المعقدة مع موسكو عبر العقود الماضية. ترى هذه العواصم أن أي تسوية سياسية أو دبلوماسية تُصاغ بمعزل عن رؤيتها الاستراتيجية الخاصة قد تتحول بمرور الوقت إلى تهديد وجودي حقيقي لاستقرارها. وتتزايد هذه المخاوف لكون تلك الدول هي التي تتحمل التداعيات المباشرة لأي تحول في ميزان القوى الإقليمي، مما يجعلها أكثر تمسكاً بضرورة الحفاظ على مواقف صارمة لا تمنح الطرف الروسي أي مكاسب مجانية قد تفسر على أنها ضعف أوروبي. بالنسبة لهذه الدول، فإن الأمن ليس مجرد ورقة تفاوضية يمكن المساومة عليها، بل هو خط دفاع أخير يتطلب صلابة تتجاوز أساليب الدبلوماسية الكلاسيكية التي تتبناها برلين وباريس.

الانقسام البنيوي في الاستراتيجيات الأوروبية تجاه موسكو

تُبرز هذه التطورات فجوة واسعة ومقلقة في الاستراتيجيات الأوروبية للتعامل مع الأزمة الراهنة؛ فبينما تتمسك دول مثل بولندا ودول البلطيق بخط سياسي وعسكري متشدد وواضح ضد السياسات الروسية، تميل ألمانيا وفرنسا نحو اعتماد مسارات دبلوماسية أكبر ومقاربات تحتمل قدراً أكبر من المرونة والحوار. هذا التباين الحاد في الرؤى لا يضعف فقط وحدة الموقف الأوروبي فحسب، بل يطرح علامات استفهام جادة ومصيرية حول مدى أهلية برلين وباريس لتمثيل القارة بأسرها على طاولة المفاوضات المستقبلية. ويبدو أن هناك شعوراً متنامياً لدى الأطراف الأخرى بأن الحوار مع موسكو لا ينبغي أن يكون باباً مفتوحاً لتقديم التنازلات، بل وسيلة لفرض واقع أمني جديد يضمن حماية الحدود الشرقية للاتحاد.

استبعاد الكرملين وتهميش الدور الأوروبي في التسوية

في مقابل هذا التصدع الداخلي المتزايد، يواجه الاتحاد الأوروبي تحدياً إضافياً يتمثل في الموقف الروسي الصارم الذي يقلل بشكل متواصل من قيمة وأهمية أي مشاركة أوروبية محتملة في المباحثات الدبلوماسية. فالكرملين، عبر تصريحات مسؤوليه المتكررة، يرى أن الخطاب السياسي السائد في العواصم الأوروبية يعكس انحيازاً أعمى يعرقل جهود التهدئة ويطيل أمد الصراع بدلاً من إيجاد مخرج سلمي مستدام، مما يضع الدبلوماسية الأوروبية بأكملها أمام مأزق حقيقي يتمثل في خطر التهميش الكامل من صنع القرار الدولي المستقبلي المتعلق بأمن القارة. هذه القناعة الروسية تجعل من الصعب على أي وسيط أوروبي أن يقدم ضمانات مقبولة للطرفين، في ظل التشكيك الروسي المستمر في حيادية وتأثير العواصم الأوروبية.

تداعيات غياب التنسيق الشامل على مستقبل الأمن القاري

إن استمرار هذا التباين وتصاعد الشكوك بين العواصم الأوروبية ينذر بتداعيات بالغة الخطورة على مستقبل الأمن الجماعي في القارة. عندما تعجز القوى الكبرى عن بناء جبهة داخلية متماسكة تحظى بثقة جميع الشركاء، فإن ذلك يفتح الباب أمام انفراد أطراف دولية أخرى بصياغة الحلول السياسية بمعزل عن الرؤية الأوروبية الموحدة. هذا الواقع الجديد يفرض على الاتحاد الأوروبي إعادة تقييم آليات صنع القرار الخارجي لديه، لضمان ألا تقتصر طاولة المفاوضات على مصالح دول محددة، بل تعبر بصدق عن هواجس وتطلعات جميع الدول الأعضاء المتأثرة بشكل مباشر وغير مباشر بالصراع الدائر.

وفي هذا السياق، يبدو أن القارة الأوروبية تقف اليوم عند منعطف تاريخي حاسم؛ فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بمدى نجاح المفاوضات مع روسيا، بل بمدى نجاح أوروبا في إثبات قدرتها على الحفاظ على كيانها السياسي المتماسك. إن إصرار دول الجوار على رفض التفويض المطلق لبرلين وباريس يعكس رغبة في إعادة صياغة موازين القوى داخل الاتحاد نفسه، ليصبح الصوت المسموع في بروكسل أكثر شمولاً وتوازناً، بدلاً من كونه صدىً لرؤى العواصم الكبرى التي بدأت تبتعد تدريجياً عن نبض المخاوف الأمنية للدول الواقعة على تخوم النزاع.

https://hura7.com/?p=83272

الأكثر قراءة