الأكثر قراءة

لماذا يتمسك لبنان بخيار التفاوض المباشر مع إسرائيل؟

جريدة الحرة بيروت

بقلم: د. فريد لخنش مدونة الكاتب د. فريد لخنش

لا يبدو تمسّك الدولة اللبنانية بالمفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل مجرد خيار دبلوماسي فرضته الظروف الراهنة، وإنما يرتبط بجملة من الحسابات السياسية والأمنية والسيادية التي تجعل استمرار التفاوض، من وجهة نظر الحكومة، أكثر قابلية لإدارة الأزمة من تركها رهينة التطورات الميدانية. فبيروت لا تتعامل مع المفاوضات باعتبارها غاية منفصلة، وإنما كأداة يمكن من خلالها معالجة ملفات الحدود والانسحاب وعودة السكان وترتيب الوضع الأمني في الجنوب.

هذا التوجه ظهر مجددًا في موقف وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الذي اعتبر أن التفاوض برعاية أميركية هو الطريق لاستعادة الأراضي التي تقول بيروت إنها ما زالت تحت السيطرة الإسرائيلية وتهيئة الظروف لعودة السكان إلى قراهم. وجاء الموقف في وقت لا تزال فيه قضايا الانسحاب وسلاح حزب الله ومستقبل الوجود الدولي في الجنوب مترابطة، ما يجعل المفاوضات جزءًا من محاولة أوسع لإعادة تنظيم المشهد اللبناني على أساس تفعيل دور الدولة ومؤسساتها.

البحث عن مخرج من معادلة الميدان

أحد الأسباب الأساسية للتمسك بالتفاوض يرتبط بمحاولة نقل معالجة الملف من ساحة العمليات العسكرية إلى الطاولة السياسية. فاستمرار التوتر في الجنوب يفرض على لبنان معادلة صعبة: لا يمكن تثبيت الاستقرار بصورة دائمة في ظل وجود خلافات على الحدود والانسحاب والترتيبات الأمنية، وفي الوقت ذاته يصعب على الدولة أن تعالج هذه القضايا منفردة من دون قناة تفاوضية تحظى بغطاء دولي.

من هنا تكتسب الرعاية الأميركية أهمية خاصة بالنسبة إلى بيروت. فالولايات المتحدة لا تؤدي دور الوسيط فقط، بل تمتلك في الوقت نفسه أدوات تأثير على الأطراف المعنية، كما أن استمرار رعايتها للمفاوضات يمنح لبنان قناة سياسية لطرح مطالبه المتعلقة بالانسحاب والحدود ووقف العمليات العسكرية. لذلك يمكن فهم الإصرار اللبناني على المفاوضات باعتباره محاولة للحصول على مسار يمكن من خلاله تحويل المطالب السياسية إلى التزامات قابلة للنقاش والتنفيذ.

بدأت المفاوضات في أبريل/نيسان 2026، وتناولت ملفات وقف إطلاق النار والانسحاب والحدود والمحتجزين والمفقودين، قبل التوصل في يونيو/حزيران إلى صيغة إطار للانسحاب التدريجي وانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي يمكن إخلاؤها. لكن استمرار الخلاف حول تنفيذ هذه التفاهمات يوضح أن وجود قناة تفاوضية لا يعني أن التسوية أصبحت قريبة، وإنما يعني أن هناك مسارًا يمكن مواصلة الضغط من خلاله للوصول إليها.

لماذا تريد بيروت أن يكون الجيش هو البديل؟

السبب الثاني يتعلق بمسألة أكثر عمقًا من الحدود نفسها: من يتولى مسؤولية الأمن في الجنوب؟

تسعى الدولة اللبنانية إلى تقديم الجيش باعتباره الجهة التي ينبغي أن تتولى المسؤولية الأمنية بعد أي انسحاب إسرائيلي، وهو ما يفسر تركيز المسؤولين اللبنانيين على الحصول على دعم دولي وأميركي للمؤسسة العسكرية. وفي هذا التصور، لا يصبح الانسحاب هدفًا منفصلًا، بل خطوة ينبغي أن تتبعها إعادة انتشار مؤسسات الدولة وترسيخ سلطتها في المناطق الجنوبية.

ويتقاطع ذلك مع المسار الدولي المتعلق باليونيفيل. فقد قرر مجلس الأمن أن يكون تمديد ولاية القوة حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2026 هو التمديد الأخير، على أن تبدأ بعد ذلك عملية انسحاب تدريجية، مع التأكيد على هدف أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الحصرية المسؤولة عن الأمن في جنوب البلاد. هذه التطورات تجعل المفاوضات بالنسبة إلى بيروت مرتبطة بموعد سياسي وأمني أكثر اتساعًا. فلبنان لا يريد، من منظور الدولة، أن يتزامن تراجع الدور الدولي في الجنوب مع استمرار حالة غير محسومة على الحدود. لذلك تبدو المفاوضات وسيلة لمحاولة ترتيب مرحلة انتقالية يكون الجيش اللبناني في مركزها.

المفاوضات أيضاً محاولة لاستعادة قرار الدولة

هناك سبب ثالث يتصل بالداخل اللبناني نفسه. فالدولة لا تتحرك في ملف التفاوض بمعزل عن النقاش المتعلق بحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية. وقد ربط رجي بين استقرار لبنان وبين إنهاء وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة، بينما يربط حزب الله موقفه من سلاحه باستمرار الوجود والعمليات الإسرائيلية وبالترتيبات التي ستنتج عن أي انسحاب.

هذا التباين يكشف أن التفاوض مع إسرائيل يحمل بالنسبة إلى الدولة اللبنانية وظيفة داخلية أيضًا. فإذا نجحت بيروت في الوصول إلى ترتيبات واضحة بشأن الحدود والانسحاب، فقد يصبح بإمكانها الدفع بصورة أكبر نحو تولي الجيش المسؤولية الأمنية في الجنوب. أما بقاء الوضع مفتوحًا على المواجهة، فيبقي حجج الأطراف المختلفة حول وظيفة السلاح قائمة. ولهذا تبدو المفاوضات جزءًا من محاولة إعادة تعريف دور الدولة، وليس مجرد تفاوض على خطوط حدودية. فكل تقدم في المسار الدبلوماسي يمكن أن يوسع مساحة المؤسسات الرسمية في إدارة الملف، بينما يؤدي استمرار المواجهة إلى إبقاء القرار الأمني موزعًا بين أكثر من طرف.

ماذا تخشى الدولة من غياب التفاوض؟

التمسك بالمفاوضات يرتبط كذلك بكلفة البديل. فغياب المسار السياسي لا يعني بالضرورة انتهاء المشكلة، بل قد يترك الجنوب أمام احتمالات أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع استمرار الخلاف حول الانسحاب والحدود والوجود العسكري والترتيبات الأمنية. وتملك بيروت، عبر التفاوض، فرصة لإبقاء هذه الملفات مجتمعة على طاولة واحدة بدلاً من تحولها إلى أزمات منفصلة. كما يمنحها ذلك إمكانية الاستناد إلى الوساطة الأميركية وإلى القرارات الدولية ذات الصلة عند مناقشة الانسحاب وانتشار الجيش. وقد أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون في مواقف سابقة أن التفاوض يتم من خلال الدولة اللبنانية، وأن المسار الدبلوماسي يمكن أن يحد من الخسائر.

لذلك قد يكون السؤال الأهم ليس لماذا تقبل بيروت بالتفاوض، بل ماذا يمكن أن تخسر إذا أغلقت هذا المسار. فحتى عندما لا تحقق المفاوضات نتائج سريعة، فإن استمرارها يمنح الدولة قناة اتصال، ويضع مطالبها أمام الوسيط الأميركي، ويتيح لها ربط ملفات الانسحاب والحدود والأمن بمسار سياسي واحد.

هل تكفي المفاوضات وحدها؟

مع ذلك، لا يبدو أن بيروت تتعامل مع التفاوض باعتباره حلًا سحريًا. فنجاحه يتوقف على عوامل لا تتحكم فيها الدولة اللبنانية وحدها، وفي مقدمتها موقف إسرائيل من الانسحاب، وقدرة الوسيط الأميركي على تقريب المواقف، والوضع الأمني في الجنوب، إضافة إلى التوافق اللبناني الداخلي حول دور الجيش ومستقبل السلاح.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: الدولة تحتاج إلى التفاوض لكي تفتح طريقًا نحو استعادة دورها، لكنها تحتاج في الوقت ذاته إلى نتائج ملموسة من التفاوض حتى تتمكن من تثبيت هذا الدور. ولذلك فإن استمرار الاجتماعات بحد ذاته لن يكون كافيًا؛ المعيار الحقيقي سيكون قدرة المسار على إنتاج خطوات متبادلة وواضحة يمكن تنفيذها ميدانيًا.

يمكن قراءة المرحلة المقبلة عبر ثلاثة احتمالات، لا باعتبارها توقعات مؤكدة، وإنما كمسارات تحددها طريقة تعامل الأطراف مع هذه العقد. الأول هو أن يتحول التفاوض إلى مسار تدريجي ينتج تفاهمات عملية حول الانسحاب وانتشار الجيش. والثاني أن يستمر الحوار فترة أطول بوصفه أداة لإدارة الخلاف من دون تسوية شاملة. أما الثالث فيتمثل في عودة التطورات الميدانية إلى فرض إيقاعها إذا تعثرت المفاوضات ولم تجد الأطراف صيغة مقبولة لتنفيذ التفاهمات القائمة.

في جميع هذه الاحتمالات، تبدو أسباب تمسك الدولة اللبنانية بالمفاوضات أكثر ارتباطًا بحسابات الدولة نفسها من كونها مجرد استجابة لضغط خارجي: تريد بيروت أن يكون لها مقعد على الطاولة عندما تُرسم ترتيبات الجنوب، وأن يكون الجيش طرفًا أساسيًا في تنفيذها، وأن تتحول الحدود من مساحة مفتوحة على المواجهة إلى ملف تديره المؤسسات الرسمية. ولذلك فإن الرهان اللبناني على التفاوض يمكن فهمه بوصفه محاولة لتغيير طريقة إدارة الأزمة، لا مجرد البحث عن اتفاق مؤقت.

https://hura7.com/?p=85638

الأكثر قراءة