الأكثر قراءة

لماذا يدافع الديمقراطيون عن روسيا في مواجهة ترامب؟

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

عادت الحرب التجارية إلى واجهة السياسة الأمريكية، لكن هذه المرة بصورة مختلفة. فالمواجهة لا تدور بين الولايات المتحدة والصين أو أوروبا، بل انتقلت إلى الداخل الأمريكي نفسه، حيث وجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه في مواجهة مع الولايات التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي، والتي سارعت إلى الطعن في قراراته الأخيرة الخاصة بفرض رسوم جمركية جديدة على واردات عشرات الدول، من بينها روسيا للمرة الأولى.
ورغم أن القضية تبدو في ظاهرها خلافًا اقتصاديًا حول الرسوم الجمركية، فإنها في جوهرها تعكس صراعًا أعمق يتعلق بصلاحيات الرئيس وحدود سلطته في رسم السياسة التجارية، كما تكشف حجم الانقسام السياسي الذي يسبق الانتخابات النصفية والرئاسية المقبلة.
عودة الحرب التجارية
أعاد ترامب إطلاق مشروعه القائم على فرض رسوم جمركية واسعة على الواردات الأجنبية، معلنًا فرض رسوم تراوحت بين 10 و12.5% على سلع قادمة من نحو ستين دولة. والمفارقة أن القائمة شملت روسيا، رغم أن حجم التبادل التجاري بين موسكو وواشنطن تراجع إلى مستويات متدنية للغاية نتيجة العقوبات الغربية المتبادلة.
ويرى ترامب أن الرسوم الجمركية تمثل وسيلة لحماية الصناعة الأمريكية وتقليص العجز التجاري، إضافة إلى استخدامها كورقة ضغط سياسية في علاقات واشنطن الخارجية. إلا أن منتقديه يعتبرون أنها تتحول في النهاية إلى عبء مالي يتحمله المستهلك الأمريكي، لأن الشركات المستوردة غالبًا ما تنقل تكلفة الرسوم إلى الأسعار النهائية للسلع.
ولذلك، لم يكن مستغربًا أن تثير هذه الإجراءات موجة جديدة من الاعتراضات داخل الولايات المتحدة، خاصة في الولايات التي تعتمد اقتصاداتها بصورة كبيرة على التجارة الخارجية وسلاسل التوريد العالمية.
معركة قانونية جديدة
لم يمر سوى أيام قليلة على إعلان الرسوم الجديدة حتى بدأت الولايات الديمقراطية تحركًا قانونيًا واسعًا لإبطالها.
ويقود هذه المواجهة حاكم ولاية كاليفورنيا، جافين نيوسوم، أحد أبرز الوجوه الديمقراطية وأكثرها انتقادًا لترامب، والمرشح المحتمل للانتخابات الرئاسية المقبلة. ورغم أن نيوسوم ليس طرفًا مباشرًا في الدعوى، فإن التحرك القانوني جاء بدعم واضح من إدارته السياسية.
وتولى المدعي العام لولاية كاليفورنيا، روب بونتا، رفع الدعوى أمام المحكمة العليا، قبل أن تنضم إليه ولايات ديمقراطية عديدة، من بينها أوريغون وأريزونا وكولورادو وكونيتيكت وديلاوير وهاواي وإلينوي وماساتشوستس وماريلاند وميشيغان ومينيسوتا ونيويورك ونيوجيرسي وواشنطن وويسكونسن وغيرها، إضافة إلى ولايتي كنتاكي وبنسلفانيا، ليصل عدد الولايات المشاركة إلى خمس وعشرين ولاية.

ويكشف هذا العدد الكبير أن القضية تجاوزت الجانب القانوني لتتحول إلى مواجهة سياسية مفتوحة بين الإدارة الجمهورية والولايات التي يقودها الديمقراطيون.

سابقة دستورية
ليست هذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها ترامب فرض رسوم جمركية واسعة بهذه الطريقة. فقد سبق أن أصدر خلال ولايته الحالية قرارات مشابهة، لكنها واجهت اعتراضات قضائية انتهت بإيقاف تنفيذها بعدما اعتبرت المحكمة العليا أن الرئيس تجاوز صلاحياته الدستورية.
ويستند هذا الرأي إلى أن الرسوم الجمركية تُعد، من الناحية القانونية، نوعًا من الضرائب، بينما يمنح الدستور الأمريكي الكونغرس وحده سلطة فرض الضرائب، وليس السلطة التنفيذية.
ورغم ذلك، لم يتراجع ترامب، بل لجأ إلى فرض رسوم مؤقتة لمدة 150 يومًا بنسبة 10%، قبل أن يصدر في الرابع والعشرين من يوليو قرارًا جديدًا يجعل هذه الرسوم دائمة، الأمر الذي أعاد الأزمة إلى نقطة البداية.

هل يدافع الديمقراطيون عن روسيا فعلًا؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن تحرك الحزب الديمقراطي لإلغاء الرسوم المفروضة على الواردات الروسية يمثل دفاعًا عن موسكو، إلا أن هذا الاستنتاج يبقى تبسيطًا لطبيعة الصراع السياسي داخل الولايات المتحدة.
ففي الأوساط الروسية، يعتقد بعض المراقبين أن الحزب الديمقراطي يقف اليوم في مواجهة سياسة ترامب التي تستهدف زيادة الضغوط على روسيا، بينما يستخدم ترامب هذه القضية لاتهام خصومه بأنهم يدافعون عن المصالح الروسية ويعرقلون سياساته الاقتصادية. إلا أن هذا التفسير يغفل طبيعة الخلاف الحقيقي بين الحزبين.

فالخلاف لا يدور حول روسيا بحد ذاتها، وإنما حول صلاحيات الرئيس واستخدام الرسوم الجمركية كأداة سياسية دون العودة إلى الكونغرس. ومن هنا، فإن موسكو تحولت إلى جزء من معركة سياسية داخلية أمريكية أكثر من كونها محورًا للنزاع نفسه.
ومن اللافت أن هذا المشهد يبدو متناقضًا مع مواقف الحزبين خلال السنوات الماضية. فالديمقراطيون كانوا الأكثر تشددًا في دعم أوكرانيا، والأكثر انتقادًا لروسيا، في حين اتهم خصوم ترامب مرارًا بأنه يتبنى خطابًا أقل حدة تجاه موسكو، خاصة منذ لقاءاته مع الرئيس الروسي والتصريحات التي صدرت بعد قمة ألاسكا وغيرها من المحطات السياسية.

لذلك، فإن ظهور الديمقراطيين اليوم في موقع المعترض على الرسوم التي تشمل روسيا لا يعني تحولًا في موقفهم من موسكو، بل يعكس تمسكهم بموقف قانوني ودستوري يهدف إلى تقييد صلاحيات الرئيس. وفي المقابل، يحاول ترامب توظيف هذا المشهد سياسيًا لإظهار خصومه وكأنهم يقفون في صف روسيا، رغم أن سجلهم السياسي خلال السنوات الأخيرة يشير إلى العكس.

لماذا تشمل الرسوم روسيا؟
من أكثر النقاط إثارة للاهتمام في القرارات الأخيرة إدراج روسيا ضمن قائمة الدول المشمولة بالرسوم.
فالرئيس الأمريكي نفسه كان قد أكد في مناسبات سابقة أن فرض رسوم على البضائع الروسية لا يحمل قيمة اقتصادية حقيقية، لأن العقوبات الغربية قلصت حجم التجارة الثنائية إلى مستويات محدودة للغاية.
لكن إدراج روسيا هذه المرة يحمل دلالات سياسية أكثر من كونه إجراءً اقتصاديًا، إذ يبدو أن الإدارة الأمريكية أرادت إظهار أن الرسوم الجديدة ذات طابع عالمي وتشمل جميع الخصوم التجاريين والسياسيين، حتى وإن كان تأثيرها الاقتصادي المباشر محدودًا.

الديمقراطيون: الرسوم ضريبة على الأمريكيين
يرتكز الطعن القانوني الذي قدمه الديمقراطيون على فكرة بسيطة لكنها مؤثرة.
فبحسب المدعي العام لولاية كاليفورنيا، روب بونتا، فإن الرسوم الجمركية ليست سوى ضرائب يدفعها المواطن الأمريكي في نهاية المطاف، لأنها ترفع أسعار السلع المستوردة.
ويرى الديمقراطيون أن الرئيس لا يملك صلاحية فرض ضرائب جديدة دون موافقة الكونغرس، وأن استخدامه قوانين الطوارئ الاقتصادية لتبرير هذه الإجراءات يمثل تجاوزًا للصلاحيات الدستورية.
كما يعتبرون أن هذه السياسة تضر بالمستهلك الأمريكي أكثر مما تضغط على الدول الأجنبية، لأنها تزيد معدلات التضخم وترفع تكاليف الإنتاج بالنسبة للشركات الأمريكية نفسها.

استقلال القضاء الأمريكي
تعيد هذه القضية تسليط الضوء على واحدة من أهم خصائص النظام السياسي الأمريكي، وهي استقلال السلطة القضائية.
ورغم أن ستة من أصل تسعة قضاة في المحكمة العليا يُنظر إليهم باعتبارهم محافظين وقريبين فكريًا من الحزب الجمهوري، فإن المحكمة سبق أن أصدرت أكثر من حكم ضد إدارة ترامب عندما رأت أن قراراتها تتعارض مع الدستور.
ولهذا السبب، يعتقد كثير من المراقبين أن فرص إلغاء الرسوم الجمركية الحالية ليست ضئيلة، خصوصًا في ظل وجود سوابق قضائية مشابهة.
ففي النظام الأمريكي، لا يضمن الانتماء السياسي للقضاة تأييدهم للرئيس، إذ تبقى النصوص الدستورية هي المرجعية الأساسية عند إصدار الأحكام.

كاليفورنيا… ساحة مواجهة سياسية
تزامن رفع الدعوى القضائية مع زيارة ترامب إلى ولاية كاليفورنيا للمشاركة في حفل لجمع التبرعات نظمته اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري في لوس أنجلوس.
ولطالما كانت كاليفورنيا تمثل أحد أبرز معاقل الحزب الديمقراطي، كما تعد من أكثر الولايات التي دخلت في صدامات سياسية مع إدارة ترامب.
ومن المتوقع أن يستغل ترامب هذه الزيارة لتوجيه انتقادات حادة إلى حاكم الولاية جافين نيوسوم، الذي أصبح بدوره أحد أبرز رموز المعارضة الديمقراطية.
وفي المقابل، يسعى نيوسوم إلى استثمار هذه المواجهة لتعزيز حضوره الوطني، إذ تشير المؤشرات إلى أنه يهيئ نفسه لخوض سباق الرئاسة المقبل، ويستخدم في ذلك أسلوبًا سياسيًا هجوميًا يشبه في كثير من جوانبه أسلوب ترامب نفسه.

صراع يتجاوز الرسوم الجمركية
في الواقع، لا تدور هذه القضية حول التجارة وحدها، بل تعكس صراعًا على شكل النظام السياسي الأمريكي وحدود سلطات الرئيس. فترامب يسعى إلى توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية في إدارة الملفات الاقتصادية والتجارية، بينما يتمسك الديمقراطيون بمبدأ الرقابة الدستورية ودور الكونغرس في إقرار الضرائب والسياسات المالية.
كما أن هذه المواجهة تحمل أبعادًا انتخابية واضحة، إذ يحاول كل طرف توظيفها لتعزيز موقعه أمام الرأي العام الأمريكي. فترامب يقدم نفسه باعتباره المدافع عن الصناعة الوطنية والوظائف الأمريكية، في حين يصور الديمقراطيون أنفسهم حماة للدستور ولمصالح المستهلك الأمريكي.

وفي الوقت نفسه، يستخدم كل من الحزبين الملف الروسي كورقة في الصراع الداخلي. فترامب يسعى إلى تصوير خصومه بأنهم يعطلون سياساته حتى عندما تستهدف روسيا، بينما يؤكد الديمقراطيون أن اعتراضهم لا يتعلق بالدول المستهدفة، وإنما بآلية اتخاذ القرار واحترام الدستور الأمريكي.

بالنهاية، لا يمكن تفسير الدعوى التي رفعتها الولايات الديمقراطية ضد الرسوم الجمركية الجديدة باعتبارها دفاعًا عن روسيا أو عن الدول المستهدفة بالقرار، بقدر ما هي دفاع عن تفسير دستوري لصلاحيات الرئيس، ورفض لاستخدام الرسوم الجمركية كأداة سياسية واقتصادية خارج الإطار الذي يحدده القانون الأمريكي.

وفي المقابل، يرى ترامب أن فرض الرسوم يمثل جزءًا من استراتيجيته لإعادة تشكيل النظام التجاري العالمي بما يخدم المصالح الأمريكية، كما يحاول استثمار المعركة قضائيًا وسياسيًا لإحراج خصومه قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وهكذا، فإن روسيا ليست الطرف المستفيد الحقيقي من هذا النزاع، بل أصبحت ورقة إضافية في معركة داخلية محتدمة بين الجمهوريين والديمقراطيين حول مستقبل السلطة التنفيذية وحدودها، في وقت تتداخل فيه الاعتبارات القانونية والاقتصادية مع الحسابات السياسية والانتخابية بصورة غير مسبوقة.

https://hura7.com/?p=82580

 

الأكثر قراءة