الأكثر قراءة

مأزق الهوية والأرض: قراءة في جغرافيا اللجوء والعودة الحذرة في جنوب لبنان

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تشهد الجغرافيا اللبنانية فصلاً جديداً من فصول التغريب والعودة المشروطة، حيث يتدفق آلاف المواطنين نحو قراهم وبلداتهم في الجنوب عقب سريان هدنة الستّين يوماً وتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت برعاية دولية. غير أن هذه الحركة الإنسانية الكثيفة لا تعكس استقراراً بقدر ما تعبّر عن إرادة شعبية صلبة لرفض التهجير القسري، إذ تصطدم على أرض الواقع بتعقيدات ميدانية وبنيوية، وفي ظل غياب شبه كامل لخطط الدولة الرعائية الشاملة، ووسط بيئة تفرض فيها شروط ميدانية بالغة القسوة والمخاطر.

الهواجس الإنسانية: طموح العودة ورهان الكرامة

خلف الأرقام والخطوط الميدانية، تقف الهواجس الإنسانية للمواطنين اللبنانيين كأعقد ملفات هذه الأزمة وأكثرها حساسية. يطمح اللبنانيون اليوم إلى عودة آمنة وحقيقية إلى بلداتهم وقراهم، متسلحين بتمسكهم التاريخي بأرضهم رغم هول الدمار والخراب الشامل الذي لحق بمنازلهم ومصادر رزقهم. غير أن هذا الطموح الجارف بالعودة محفوف بالقلق من التهميش؛ إذ يتطلع الأهالي إلى أن تكون عودتهم قائمة على صون كرامتهم الإنسانية، وهو ما يتطلب صياغة وتنفيذ خطة طارئة وعاجلة من قبل الدولة ومؤسساتها الرسمية.

إن الهاجس الأكبر الذي يؤرق العائدين هو الخوف من تكرار تجارب الماضي، حيث يطالبون بإدارة حكومية شفافة وعادلة لملفات الإغاثة والإعمار، بعيداً عن المحسوبيات والمحاصصات السياسية والتهاون بمشاعرهم. فالأزمة لم تعد مجرد جدران مدمرة بحاجة إلى ترميم، بل هي حالة نفسية واجتماعية بالغة الصعوبة والتعقيد تعيشها عائلات فقدت الأمان والاستقرار لشهور طويلة، وتواجه اليوم مستقبلاً غامضاً يتطلب احتضاناً رسمياً يرتقي إلى حجم تضحياتهم وصمودهم.

■ جغرافيا الحظر والمنطقة العازلة: خطوط النار المستترة

ترتسم معالم المعاناة الميدانية بشكل حاد عند مراجعة الخارطة الميدانية الحالية؛ إذ يفرض واقع الاحتلال ما يُعرف بـ “الخارطة الصفراء” أو الحزام الأمني العازل، الذي يمتد بعمق يتراوح بين كيلومترين واثني عشر كيلومتراً شمال الخط الأزرق، ممتداً على مساحة تقارب ٥٦٨ كيلومتراً مربعاً. وتضم هذه المنطقة المحظورة قرى الحافة الأمامية بأكملها، وفي مقدمتها عيتا الشعب، وبنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، وعيترون، وحولا، وبليدا.

في هذه البلدات، يمنع الاحتلال الأهالي من العودة أو حتى الاقتراب لتفقد منازلهم وأرزاقهم، معتمداً على القصف المتقطع وإطلاق النار المباشر على كل من يحاول اجتياز خطوط التماس الرسمية، فضلاً عن عمليات التجريف المنهجي للمقابر والمباني والمساحات الزراعية التي نفذتها القوات الإسرائيلية قبل إعلان الهدنة. ونتيجة لهذا الحظر الصارم، باتت صور الأقمار الصناعية التجارية الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام العائلات المهجرة للاستعلام عن مصير بيوتها التي تركتها خلفها.

أما في المناطق القريبة من هذا الحزام الأصفر، والتي شهدت توغلاً لم ينسحب منه الاحتلال بالكامل بعد، فإن ظروف العودة تبدو أشبه بالسير في حقل ألغام فكري وجسدي. يعود المواطنون إلى قرى مثل زوطر الشرقية، وأرنون، وكفرتبنيت، ويحمر، تحت وطأة تهديد مستمر وخروقات أمنية متكررة، وفي ظل انتشار كثيف للقنابل العنقودية والصواريخ غير المنفجرة التي تركها القصف، مما يجعل نشاطات الحياة اليومية كالفلاحة والترميم مغامرة غير مأمونة العواقب.

الشلل المؤسساتي وانهيار البنى التحتية

تتجلى أزمة العودة في العجز الفاضح للمؤسسات الرسمية اللبنانية عن مواكبة هذا الحدث الضخم. فالجيش اللبناني، بالتعاون مع مجلس الجنوب ووزارة الأشغال العامة والنقل، هو الجهة الرسمية المكلفة بإجراء المسح الميداني لتحديد الأضرار والبدء بملفات التعويضات، إلا أن هذا المسح معطل عملياً في مناطق العمق الحدودي بسبب غياب التثبيت النهائي لوقف إطلاق النار واستمرار الوجود العسكري للاحتلال.

وعلى الصعيد المالي، تبدو خزينة الدولة عاجزة تماماً عن رصد أي اعتمادات مالية للتعويضات أو الإغاثة السريعة، حيث يقتصر دور الهيئة العليا للإغاثة ومجلس الجنوب على تقديم مبالغ رمزية وبطيئة الصرف لملفات الشهداء والجرحى. وفي المقابل، تعاني البلديات المحلية من تصفير كامل لإيراداتها وميزانياتها، مما يحرمها من القدرة على رفع الأنقاض، أو فتح الطرقات الداخلية، أو إعادة تشغيل شبكات المياه والكهرباء والاتصالات التي تتراوح نسب الدمار فيها بين ٧٠% و ٩٠% في قرى الخطوط الأمامية.

أمام هذا الفراغ الهيكلي، تقع الأعباء الاقتصادية والاجتماعية بالكامل على عاتق المبادرات الفردية وشبكات التضامن الأهلي، وبشكل أساسي على أموال المغتربين اللبنانيين التي باتت تمثل شبكة الأمان الحقيقية الوحيدة لتمويل الإيجارات المرتفعة، وتغطية مصاريف الطبابة والاستشفاء، وتحمل تكاليف إعادة التأسيس في ظل فوضى عارمة تشهدها أسعار الشقق السكنية واشتراكات المولدات الكهربائية في عموم مناطق الجنوب.

السيناريوهات المستقبلية وآفاق الحل

إن قراءة المشهد الميداني والسياسي الحالي تفضي إلى ثلاثة مسارات أساسية تحدد مستقبل الاستقرار في جنوب لبنان:

■ سيناريو العودة المجتزأة (الأكثر واقعية): استمرار تفقّد الأهالي لقرى قضاء صور والنبطية وإقليم التفاح الواقعة خارج حزام الحظر، مع بقاء قرى الشريط الحدودي الأمامي مناطق مهجورة عسكرياً، تتحول فيها العودة إلى مجرد زيارات تفقدية حذرة بانتظار نضوج المفاوضات السياسية.

■ سيناريو التجميد والمواجهة المستترة: تعثر مساعي الانسحاب الإسرائيلي الكامل من المنطقة الصفراء، ومحاولة فرض ترتيبات أمنية أحادية تحول الجنوب إلى منطقة استنزاف دائم، مما يهدد بانهيار الهدنة وتجدد النزوح الواسع.

■ سيناريو التسوّية الشاملة: نجاح الضغوط الدولية في تحقيق انسحاب كامل لقوات الاحتلال، وانتشار سيادي حقيقي وشامل للجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني بالتنسيق مع قوات الطوارئ الدولية، مما يفتح الباب لتدفق مساعدات إعادة الإعمار من الدول العربية والمانحين الدوليين المشترطة بالإصلاحات البنيوية.

إن الحل المستدام لمعضلة النزوح لا يمكن أن يتحقق بالاعتماد على صلابة الإرادة الشعبية وحدها في مواجهة المجهول، بل يتطلب قراراً وطنياً جامعاً يفصل الملف الإنساني وإعادة الإعمار عن التجاذبات السياسية الداخلية، ويعيد تفعيل مؤسسات الدولة الرقابية والتنفيذية لتوفير الدعم الاجتماعي والنفسي بعيداً عن أي فئوية، وبخلاف ذلك، ستبقى عودة أبناء الجنوب معلقة بين غياب المظلة الرعائية الرسمية والمخاطر الأمنية الكامنة وراء خطوط النار.

https://hura7.com/?p=80706

الأكثر قراءة