الحرة بيروت – خاص
أصدر مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية “سكايز”، التابع لمؤسسة سمير قصير، تقريراً أعدّه الباحث في المجال الرقمي، جاد هاني، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، يرصد الانتهاكات ضدّ حرية الرأي والتعبير المتعلّقة بالتحريض الرقمي، ويقدّم نظرة شاملة حول الحملات الرقمية التي تستهدف الصحافيين والإعلاميين في لبنان. وقد استند هاني في التقرير إلى تحليل الخطاب المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي مع إجراء دراسة لشبكات التأثير، بهدف كشف العلاقة بين التحريض الرقمي، من جهة، وتنامي التهديدات التي يواجهها صحافيو لبنان، من جهة أخرى.
تزامن نشر التقرير مع العدوان الإسرائيلي واسع النطاق على لبنان، والذي أوقع، حتى تاريخ إعداد التقرير، 3445 قتيلاً وأكثر من 14599 جريحاً، فيما اضطرّ قرابة 1.5 مليون شخص إلى النزوح من منازلهم. وترافقت هذه الكارثة الإنسانية مع مواجهة الساحة اللبنانية مستويات غير مسبوقة من الاصطفاف الداخلي الحادّ بين مختلف الأطراف. أما الانقسامات العميقة بشأن استراتيجية “حزب الله” العسكرية والدبلوماسية، فزادت من حدّة تعقيدات المشهد الداخلي.
وكذلك، أثارت تصريحات مثيرة للجدل أطلقها بعض المسؤولين الإيرانيين، الذين دعوا الشعب اللبناني إلى التحلّي بمزيد من الصمود في خضم الأزمة، حالة من الغضب العارم. وهي دعوات تردّد صداها في تصريحات لـ”حزب الله”، ما عمّق فجوة الانقسامات وأشعل خطاب الكراهية في فضاءات رقمية محتقنة أصلاً.
في هذا السياق، برزت أنماط مختلفة من التحريض الرقمي. ومن بين القضايا ذات الصلة التي ذكرها التقرير:
- عليا منصور: اتهام بالعمالة
في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2024، اعتقلت الأجهزة الأمنية اللبنانية الصحافية السورية – اللبنانية ونائبة رئيس تحرير موقع NOW Lebanon، عليا منصور، إثر دهم منزلها في بيروت، بناءً على مذكرة قضائية أصدرها القاضي كلود غانم، اتُّهمت فيها منصور باستخدام حساب وهمي للتواصل مع شخصية إسرائيلية عامة. ورغم الإفراج عنها لاحقاً، تمّت مصادرة أجهزة منصور الإلكترونية وجواز سفرها. علماً أنها، وفي مقابلة مع قناة “الحدث”، نفت صحة الاتهامات، مؤكدة أن الحساب الوهمي لا يعود إليها، وأنها استخدمت حسابها الرسمي لتفنيد الادّعاءات. وأعربت عن صدمتها ودهشتها من سرعة التحرك الأمني، مشيرة إلى أن هذه الإجراءات الصارمة غير معتادة في القضايا الصحافية.
- ديما صادق: تهديدات شخصية وعائلية
في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2024، أي بعد يومين من توقيف منصور، كشفت الإعلامية اللبنانية ديما صادق عبر منصة “X” (تويتر سابقاً) عن تلقّيها وأولادها تهديدات يومية بالقتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعلى هاتفها الشخصي. وأرجعت صادق هذه التهديدات إلى آرائها السياسية التي تعبّر عنها بانتظام.
وبناء على هاتين القضيتين، قام التقرير بتحليل استطلاعات الرأي على منصات التواصل الاجتماعي، فتبيّن ما يلي:
- عليا منصور: 62.5% من التعليقات طالبت بمحاسبتها، مقابل 30.5% تضامنت معها.
- ديما صادق: 80% من التعليقات هاجمتها، مقابل 20% فقط أبدت دعمها لها.
وهذا ما يكشف عن انتشار خطاب الكراهية في نسبة كبيرة من التعليقات السلبية، حيث تضمّنت 60% من التعليقات المعارِضة لمنصور تهديدات بالعنف الجسدي والجنسي. أما في حالة صادق، فقد وصل انتشار خطاب الكراهية إلى 47% من التعليقات المعارِضة لها.
- نبيل مملوك: تحريض رقمي وعنف ميداني

في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، تعرّض الصحافي اللبناني المستقل، نبيل مملوك، لاعتداء عنيف في مدينة صور الجنوبية اللبنانية على يد مجموعة مسلّحة اقتحمت صيدلية والده حيث كان يعمل. وتخلل الاعتداء ضرب مبرح وإطلاق نار داخل الصيدلية. وقد أفاد مملوك بأن الهجوم جاء عقب نشره تحذيراً عبر مجموعة “أخبار صور” على تطبيق “واتساب” بشأن تحطُّم طائرة مسيّرة إسرائيلية، نصح فيه الأهالي بعدم الاقتراب من الموقع.
وأشار مملوك إلى تعرضه لتهديدات سابقة على خلفية منشوراته، ومنها اقتحام سابق للصيدلية في 2 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي وتهديده لناحية التوقف عن انتقاد قيادات بارزة في “حزب الله”. وقد تصاعد منسوب التهديدات حدّ العنف الميداني عندما انتشرت مقاطع فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحثّ على الاعتداء على مملوك، رافقتها اتهامات كاذبة له بالتعامل مع إسرائيل.
وتشير الأدلة إلى احتمالية أن تكون الحملة ضد مملوك منسّقة. فقد انتشرت مقاطع فيديو الاعتداء بسرعة في دوائر عدّة موالية لـ”حزب الله”، مرفقة برسائل تحريضية. كما تلقّى مملوك تهديدات على هاتفه الشخصي من أرقام دولية.
- إيمان شويخ: مثال تهديدي آخر

بدورها، دفعت التهديدات المتكررة بالصحافية ومقدّمة البرامج اللبنانية، إيمان شويخ، والتي لاحقتها منذ 12 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي إلى تقديم استقالتها من قناة MTV التلفزيونية. وفي منشور لها عبر منصة “X”، أوضحت شويخ أن قرارها جاء لحماية حياتها وأفراد أسرتها، بعد تعرضها للملاحقة والتهديدات بالقتل.
- هشام حداد: دعوة للاغتيال

من جهته، واجه الإعلامي اللبناني، هشام حداد، المعروف بآرائه الناقدة، منذ 12 تشرين الثاني/نوفمبر أيضاً، حملة تهديدات واسعة بعد تساؤله عن جدوى مشاركة لبنان في صراع غزة من خلال حرب الإسناد التي أطلقها “حزب الله”. وشملت التهديدات رسائل تدعو إلى اغتياله، ما اضطرّه إلى اتخاذ احتياطات لحماية أسرته.
الدور السياسي والإعلامي في التحريض
يُبرز التقرير العلاقة الوثيقة بين الاصطفاف السياسي والخطاب التحريضي ضد الصحافيين. ويشير إلى دور “حزب الله” ومسؤوليه في تأجيج هذا الخطاب عبر تصريحات تحريضية، مدعومة بتغطيات إعلامية من صحف موالية للحزب، مثل جريدة “الأخبار” اللبنانية. ويلفت في الوقت عينه إلى أن خطاب الكراهية الصادر عن أطراف لبنانية أخرى، مثل “القوات اللبنانية” و”حزب الكتائب”، يسهم هو الآخر في تأجيج هذا المناخ العدائي.
دعوة إلى التحرك
لقد سلّط التقرير الضوء على التداخل الخطير بين التحريض الرقمي والعنف الميداني ضد الصحافيين في لبنان، فيما البلد بأمسّ الحاجة إلى تماسك داخلي بوجه تحديات وجودية عدّة تتربّص به. فالتحرّك العاجل والجاد أصبح ضرورة ملحّة لضمان حرية الإعلام وسلامة العاملين فيه.
من هنا، يقع على عاتق الدولة اللبنانية اتخاذ إجراءات حازمة لحماية الصحافيين، بدءاً بتعزيز القوانين المتعلقة بجرائم الكراهية الرقمية، وصولاً إلى محاسبة المتورطين في حملات التحريض. كما يتعيّن مطالبة الأطراف السياسية، وعلى رأسها “حزب الله”، بوضع حدّ للخطاب التحريضي المهدّد لحرية التعبير والمعزّز للانقسامات الداخلية.
تمّ إصدار التقرير بدعم من وزارة الخارجية النرويجية، ويقع محتواه بالكامل على عاتق المؤلّفين، ولا يعكس بالضرورة وجهات نظر وزارة الخارجية النرويجية.
لقراءة التقرير كاملاً، يُرجى النقر على الرابط التالي:
https://www.skeyesmedia.org/en/News/Reports/21-11-2024/12099?fbclid=IwY2xjawG7kK5leHRuA2FlbQIxMQABHYto9q2eumihr_jnSurwq-73LtdST05-QVO5WAVSv9LTUQDWPsX9rsIKiA_aem_7quMJSwnT8OyQL-yx7m0CA&sfnsn=mo


