الأكثر قراءة

مؤشرات من المهجر: الانتماء إلى لبنان لا يعني العودة إليه

استطلاع حالات يكشف تغيّر الارتباط بلبنان بين الأجيال وبيئات الإقامة

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د .عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث / سمر سنّو

تقديم:

شكّلت الهجرة إحدى السمات البارزة في التاريخ الاجتماعي اللبناني الحديث، منذ موجاتها الأولى منتصف القرن التاسع عشر، مرورًا بهجرة سنوات الحرب العالمية الأولى وما رافقها من مجاعة وحصار، ثم الهجرة الواسعة خلال حرب لبنان (1975–1990)، وصولًا إلى موجات ما بعد الحرب التي تسارعت بصورة خاصة منذ الأزمة الاقتصادية والمالية التي انفجرت في العام 2019. وقد دفعت الأزمات السياسية والأمنية والمعيشية، وانهيار العملة واحتجاز الودائع المصرفية، وانفجار مرفأ بيروت العام 2020، أعدادًا متزايدة من اللبنانيين، ولا سيما الشباب وأصحاب الكفاءات، إلى البحث عن مستقبل خارج البلاد.

ومع ذلك، لا تعني الهجرة بالضرورة انقطاع الصلة بلبنان. فالبلد يبقى حاضرًا لدى كثير من المغتربين في الذاكرة والعلاقات الأسرية والثقافة والعادات والطعام والزيارات كما تبيه الاستبانات، لكن طبيعة هذا الحضور ودرجته تختلفان باختلاف العمر وتجربة الهجرة ومدة الإقامة في الخارج والروابط العائلية والاجتماعية. ومن هنا تبرز مسألة التمييز بين الانتماء إلى لبنان بوصفه شعورًا وهوية وذاكرة، وبين الرغبة الفعلية في العودة والاستقرار فيه بوصفها قرارًا يرتبط أيضًا بالأمن والعمل ومستقبل الأسرة ونوعية الحياة.

وانطلاقًا من ذلك، اعتمدنا استطلاعًا نوعيًا مفتوحًا شمل ثلاث فئات عمرية من اللبنانيين المقيمين في بلدان الاغتراب: أطفالًا من 8 إلى 12 سنة، ومراهقين وشبابًا من 13 إلى 18 سنة، وبالغين من 40 سنة فما فوق من أسسوا أسرًا. وأضيفت إلى هؤلاء عينة من ثمانية لبنانيين يقيمون ويعملون في عدد من دول الخليج العربية (الجدول الرابع)، بهدف المقارنة بين بيئات اغترابية تختلف في شروط الإقامة والاستقرار. ففي حين يمكن أن تقود الهجرة إلى كندا والولايات المتحدة وأستراليا وبعض الدول الأوروبية إلى الإقامة الدائمة والتجنس واستقرار الأسرة عبر الأجيال، ترتبط الإقامة في دول الخليج العربية، في الغالب، بالعمل وشروط الإقامة، مع اختلاف إمكانات التجنس والاستقرار الدائم. ومن هنا تتيح المقارنة النظر في أثر اختلاف بيئة الاغتراب وشروطها في العلاقة بلبنان وفي تصور العودة إليه، من دون افتراض النتيجة مسبقًا.

وقد عولجت الإجابات تلك بوصفها حالات نوعية متكاملة، ثم قورنت داخل كل فئة وبين الفئات المختلفة، بحثًا عن أوجه التشابه والاختلاف والعوامل التي قد تساعد في تفسيرها. ونظرًا إلى محدودية عدد المستطلّعين، واعتماد أسئلة مفتوحة، فإن النتائج لا تمثل عينة إحصائية ولا تسمح بالتعميم، وإنما تقدم مؤشرات وانطباعات نوعية تساعد على فهم بعض أشكال الانتماء اللبناني في الاغتراب وتحولاته بين الأجيال وبيئات الإقامة المختلفة. وهذا التحفظ المنهجي ينسحب على الجداول الأربعة وتحليلاتها، ولن تكون ثمة حاجة إلى تكراره عند كل جدول.

ومن خلال هذه الحالات، تحاول الدراسة الإجابة عن سؤال رئيس: كيف يتغير الانتماء إلى لبنان مع العمر ومرور الزمن وتباعد الأجيال واختلاف بيئة الاغتراب؟ وهل تؤدي الولادة أو الإقامة الطويلة في الخارج إلى إضعاف هذه الرابطة، أم أنها تستمر بأشكال مختلفة، عائلية وثقافية وذاكرة، قد لا تتطابق بالضرورة مع الرغبة في العودة والعيش في لبنان؟

أوّلًا: تحليل الفئة العمرية: من 8 إلى 12 سنة

  1. تعريف الوطن: انتماء مزدوج تسنده الأسرة والمكان

يكشف سؤال “ما هو وطنك؟” عن حضور واضح للانتماء المزدوج لدى الأطفال الستة. فليس بينهم من اختار كندا وحدها وطنًا له. آدم وعلي يجيبان “لبنان وكندا”، ودانيال يعكس الترتيب فيقول “كندا ولبنان”، بينما يقول جاد وراني “لبنان، وقليلًا كندا”، وتستخدم ياسما صيغة انتقالية لافتة: “لبنان، والآن كندا”. وبذلك لا تسمح العينة الجديدة بإقامة علاقة خطية بين مدة الإقامة في كندا وقوة الانتماء إلى لبنان؛ فآدم، المولود في كندا، لا يزال يضع لبنان ضمن تعريف وطنه، كما تفعل ياسما المولودة فيها ودانيال الذي يعيش فيها، في حين يمنح جاد وراني، بعد ثلاث سنوات من الإقامة، لبنان وزنًا أوضح في صياغتهما. ويشير ذلك، في حدود هذه الحالات الست، إلى أن الإقامة أو الولادة في كندا لا تؤديان بالضرورة إلى إحلال الانتماء الكندي محل الانتماء اللبناني، بل قد ينشأ لدى الطفل انتماء مزدوج بدرجات وصيغ مختلفة.

يتكرر حضور الأسرة بوضوح عندما ينتقل السؤال من تعريف الوطن إلى تفسير الانتماء. فعلي يربط لبنان بـ”الأرض والعائلة”، وياسما تربطه بالعائلة أيضًا مع إقرارها بأنها تعيش في كندا، بينما يظهر الأصدقاء والعائلة في إجابات أخرى بوصفهم سببًا مباشرًا للارتباط بلبنان. ويتسع هذا المعنى في سؤال “ما أحلى شيء تحبه في لبنان”؟، حيث تظهر العائلة وأبناء العم والأصدقاء والقرية والأرض والمدرسة والذكريات.

وتكتسب هذه النتيجة دلالة إضافية من إجابات الأطفال المولودين في كندا أنفسهم؛ فالولادة خارج لبنان لم تمنع حضور الأسرة والذاكرة اللبنانية في تصورهم للبلد. لكن المعطيات لا تسمح بأن ننسب ذلك إلى الأسرة وحدها؛ فالزيارات والأصدقاء والقرية والمدرسة والتجربة الشخصية تظهر أيضًا في الإجابات. لذلك يمكن القول إن الأسرة تبدو أحد أبرز روافد الانتماء اللبناني لدى هذه العينة، من دون أن تكون العامل الوحيد الذي تكشفه الإجابات.

  1. الوعي بالواقع اللبناني لا يلغيه الاندماج في الحياة اليومية

يحضر الجانب السلبي من الواقع اللبناني بصورة واضحة في إجابات الأطفال. فالحرب ترد عند ياسما وجاد وراني وعلي، بينما يشير دانيال إلى غياب الأمن، ويجيب آدم بأنه لا يوجد شيء لا يعجبه. وهكذا يعبّر خمسة من الأطفال الستة، بدرجات مختلفة، عن إدراك لمشكلة الحرب أو الأمن أو الأوضاع السلبية في لبنان. والأكثر أمانًا منهجيًا القول إن صورة لبنان الإيجابية والعاطفية لدى هؤلاء الأطفال تتعايش مع وعي مبكر باضطرابه الأمني. فالطفل يستطيع أن يحب لبنان ويعدّه وطنًا، وفي الوقت نفسه يرى الحرب أو غياب الأمن من أبرز سلبياته.

يُقدم سؤال تفضيل اللعب مثالًا مهمًا على ضرورة الفصل بين الانتماء العاطفي وتفضيلات الحياة اليومية. فآدم يفضل اللعب في “كندا فقط”، في حين يختار بعض الأطفال البلدين، ويعطي آخرون أفضلية للبنان أو لبعض أنشطته، بينما يربط علي تفضيله لكندا بوجود حدائق أكثر. وتكشف هذه الإجابات أن اختيار مكان اللعب تحكمه عوامل عملية واجتماعية، كتوافر الأصدقاء والفرق الرياضية، كالسباحة عند راني على سبيل المثال، فضلًا عن الحدائق والأنشطة، ولا يصلح في ذاته مقياسًا لقوة الانتماء الوطني. فآدم، مثلًا، يفضل اللعب في كندا، لكنه يجيب عن وطنه: “لبنان وكندا”. وهذه نقطة ذات أهمية في قراءة الاستطلاع كله: يمكن للطفل أن يكون أكثر اندماجًا في الحياة اليومية في بلد الاغتراب، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تراجع علاقته الوجدانية بلبنان.

  1. 3. من الرمز الوطني إلى الحنين والصورة المقدَّمة للآخر

يكشف سؤال “ما الذي ترسمه عن لبنان؟” تعدد الصور التي يحملها الأطفال عنه. فهناك الرموز الوطنية المباشرة، كالعلم والأرزة، إلى جانب المدرسة والبحر والجبال. ولا يبدو من الحالات الست المستطلعة وجود ارتباط واضح بين نوع الرسم ومدة الإقامة في كندا؛ إذ تتوزع الرموز المجردة والمشاهد الملموسة بين أطفال ذوي تجارب مختلفة. والأقرب إلى المعطيات أن لبنان حاضر في مخيلتهم على مستويين متداخلين: رمز وطني من جهة، وتجربة مكانية وشخصية من جهة أخرى.

تغلب العلاقات الإنسانية على إجابات سؤال “من أول شخص تشتاق إليه في لبنان بعد مغادرته؟” فتظهر الجدة والجد وأبناء العم والأصدقاء والجيران، بينما تتجاوز بعض الإجابات حرفية السؤال إلى المكان والطبيعة، مثل القرية والأشجار. وهذا التجاوز نفسه ذو دلالة؛ فالحنين لدى الطفل لا يتجه دائمًا إلى “شخص” منفرد، بل قد يشمل البيئة الصغيرة التي كان يعيش فيها: الأسرة، والأصدقاء، والقرية، والأرض وتفاصيل الحياة اليومية.

ومن هنا يبدو في هذه المرحلة العمرية أن لبنان لا يظهر غالبًا باعتباره مفهومًا سياسيًا أو مؤسساتيًا مجردًا، بل باعتباره شبكة من الأشخاص والأماكن والذكريات المحسوسة.

وعندما يُسأل الأطفال عما يريدون أن يروه لصديق قادم إلى لبنان، تتجه اختياراتهم إلى البحر والجبال والروشة وجعيتا والنشاط الرياضي. ولا تظهر في الإجابات معالم سياسية أو طائفية، كما لا تبرز الرموز الدينية. وهذا يسمح، بحذر، بالقول إن الصورة التي يرغب هؤلاء الأطفال في تقديمها عن لبنان هي في المقام الأول صورة طبيعية واجتماعية وترفيهية.

  1. أوجه التشابه والاختلاف والنتائج

تكشف الحالات الست، رغم اختلاف مدة الإقامة وتجربة كل طفل، عن قاسم مشترك أساسي، وأن لبنان حاضر لدى الجميع. لا أحد يعرّف وطنه بأنه كندا وحدها، حتى بين المولودين فيها. وفي الوقت ذاته، لا يمنع هذا الحضور من الاعتراف بكندا وطنًا أو مكانًا للحياة والأصدقاء واللعب. وبذلك يبدو الانتماء المزدوج في هذه العينة أقرب إلى تجاور انتماءين منه إلى انتقال كامل من أحدهما إلى الآخر.

وتظهر الأسرة والأصدقاء والقرية والأرض والذكريات بوصفها أهم المضامين الملموسة لهذا الارتباط. كما يتعايش حبّ لبنان مع إدراك سلبياته؛ فالحرب وغياب الأمن لا يمحوان الانتماء، مثلما أن تفضيل اللعب أو بعض جوانب الحياة في كندا لا يعني التخلي عنه.

وفي المقابل، تكشف الإجابات فروقًا فردية مهمة. فبعض الأطفال يمنح لبنان أفضلية واضحة داخل انتمائه المزدوج، وبعضهم يضع البلدين على قدم أقرب إلى المساواة، كما تختلف طبيعة التعلق بين الأسرة والأصدقاء والمكان والرمز الوطني. ولا تسمح الحالات الست برد هذه الاختلافات إلى متغير واحد، كمدة الإقامة أو مكان الولادة.

وبناء على ذلك، فإن النتيجة الأكثر أهمية في هذه الفئة ليست أن الاغتراب يضعف الانتماء أو يقويه، بل أن الأطفال الستة يقدمون صورة أكثر تركيبًا: فهم يندمجون بدرجات مختلفة في مجتمع الإقامة، ويكتسبون منه صداقات وأنشطة وتفضيلات يومية، بينما يحتفظ لبنان بمكان واضح في تعريف الوطن والذاكرة والعلاقات الأسرية. فالانتماء إلى لبنان، في هذه الحالات، لا يبدو نقيضًا للاندماج في كندا؛ بل يتعايش الاثنان داخل هوية الطفل نفسها.

وإذا كانت هذه السمات تعكس أشكال الانتماء لدى الأطفال، فإن الانتقال إلى الفئة العمرية الثانية (13–18 سنة) يتيح النظر في كيفية تطور هذا الانتماء مع اتساع الخبرة الشخصية، وازدياد الوعي بالمستقبل وبظروف لبنان وبلد الاغتراب.

ثانيًا: الفئة العمرية: من 13 إلى 18 سنة

إذا كان لبنان يظهر لدى الأطفال أساسًا من خلال الأسرة والأصدقاء والمكان والذكريات، فإن الصورة تصبح في الفئة الثانية أكثر تركيبًا. فالمستطَلعون الستة لا يتحدثون فقط عما يحبونه أو يفتقدونه، بل يربطون علاقتهم بلبنان بخيارات الدراسة والعمل والمستقبل، وبنظرتهم إلى أوضاعه السياسية والاقتصادية. وهنا يبدأ التمييز بصورة أوضح بين الانتماء إلى لبنان وبين اختيار العيش فيه.

  1. الانتماء والاختيار: من دوافع الاغتراب إلى الموقف من العودة

تظهر هذه المسافة في دوافع الاغتراب. فريان يتخذ موقفًا سلبيًا من واقع لبنان، ويربطه بسوء الأوضاع والاقتصاد والحروب، بينما تقدم فرح اغترابها من زاوية مختلفة، إذ تنظر إلى مستقبلها وطموحها الفردي في بيئة أوسع، في حين ترتبط تجارب لولوا وبسام وعلي وأنور بدرجات مختلفة بالدراسة والعائلة والظروف الاقتصادية. وهكذا لم تعد الهجرة في هذه المرحلة العمرية مجرد انتقال تقرره الأسرة، بل بدأت تظهر في بعض الإجابات باعتبارها أيضًا خيارًا شخصيًا مرتبطًا بصورة المستقبل.

ويظهر التمايز بصورة أقوى في الموقف من العودة. فلولوا وبسام وعلي وأنور يعبرون عن رغبة في العودة، بينما يربط ريان عودته بتحسن أوضاع لبنان، وتنفرد فرح بموقف واضح يستبعد العيش فيه مستقبلًا. وحالتها ذات دلالة خاصة، لأنها تكشف أن الانتماء والرغبة في العودة ليسا أمرًا واحدًا؛ فعلى الرغم من موقفها من الاستقرار في لبنان، تحتفظ بعلاقة عائلية ووجدانية به، تظهر حتى في اختيارها “طعام جدتي” مما تفتقده. وهكذا قد تستمر الرابطة الثقافية والعائلية حتى عندما ينفصل عنها مشروع العودة عمليًا.

وتثير الإجابات أيضًا احتمال وجود علاقة بين الطريقة التي يعرّف بها المستطلَعون لبنان وبين موقفهم من العودة. فبسام وعلي وأنور يقدمون لبنان بوصفه جزءًا عميقًا من هويتهم، ويرغبون في الوقت نفسه في العودة إليه، بينما يربط ريان لبنان أساسًا بالعائلة حيث تكون، ويجعل عودته مشروطة بتحسن أوضاع البلد. ولا تسمح الحالات المحدودة بتحويل هذه الملاحظة إلى علاقة ثابتة، لكنها تشير إلى اختلاف في طبيعة الانتماء بين من يربط لبنان بالهوية ذاتها ومن يربطه بصورة أكبر بالعلاقات العائلية.

  1. وعي متزايد بالواقع السياسي والاقتصادي واستمرار الروابط الثقافية

يبرز عند الانتقال من الأطفال إلى هذه الفئة ارتفاع مستوى الوعي بواقع لبنان. ففي الفئة الأولى حضرت الحرب والأمن بوصفهما من الأمور غير المحبوبة، أما هنا فتتحول الإجابات إلى تشخيص أكثر تفصيلًا للمشكلات واقتراح سبل لمعالجتها: الاقتصاد عند ريان، ووقف الحرب وتحسين البنية التحتية وجذب الاستثمارات عند لولوا، ومحاربة الفساد وتأمين الأمن عند بسام، ووقف الحرب واستقطاب الشركات وخلق فرص العمل عند فرح، وتغيير الطبقة السياسية عند أنور، فيما ظلت إجابة علي أقل وضوحًا. ويعكس ذلك انتقالًا من إدراك المشكلة إلى التفكير في أسبابها أو في إمكان معالجتها.

وتظل الأسرة والأصدقاء حاضرين بقوة في هذه الفئة، على الرغم من اتساع مساحة التفكير بالمستقبل. كما يظهر الطعام رابطًا حسيًا وثقافيًا مشتركًا في الإجابات، من الشاورما والمناقيش والمولوخية إلى طعام الجدة والطبخ التقليدي وورق العنب والكوسا. وتكتسب هذه الصلة دلالة خاصة لأنها تظهر حتى لدى من لا يرى مستقبله في لبنان، بما يوحي بأن بعض عناصر الانتماء الثقافي يمكن أن تستمر مستقلة عن قرار العودة والاستقرار.

وتختلف لغة الإجابة بين أفراد العينة؛ فعلي وريان أجابا بالإنكليزية في معظم إجاباته، وأنور مزج العربية بالإنكليزية، فيما استخدم الآخرون العربية. غير أن هذه الاختلافات تبدو مرتبطة ببيئة التعليم والإقامة أكثر مما تصلح مقياسًا لقوة الانتماء؛ فعلي، على سبيل المثال، يعبّر بوضوح عن حضور لبنان في هويته على الرغم من استخدامه الإنكليزية.

  1. مساران متصلان للانتماء

تكشف إجابات الفئة من 13 إلى 18 سنة، في المحصلة، أن التقدم في العمر لا يلغي الروابط العائلية والوجدانية التي ظهرت لدى الأطفال، لكنه يضيف إليها وعيًا أكبر بالمستقبل وبالواقع السياسي والاقتصادي للبنان. ولذلك يصبح الانتماء أكثر تركيبًا: يمكن أن يحبّ الشاب لبنان ويحتفظ بعائلته وطعامه وذكرياته جزءًا من هويته، وفي الوقت نفسه يختار مستقبله خارجه أو يشترط تغيير أوضاعه للعودة إليه. وهنا يظهر بوضوح أن الانتماء والعودة مساران متصلان، لكنهما غير متطابقين.

ثالثا: الفئة العمرية من 40 سنة فما فوق

إذا كانت الفئة العمرية السابقة قد كشفت عن تزايد حضور المستقبل والطموح والوعي بأوضاع لبنان في تحديد الموقف من العودة، فإن فئة ما فوق الأربعين تضعنا أمام تجربة مختلفة: أشخاص اتخذوا بالفعل قرار الاغتراب والاستقرار، واختبر بعضهم الحياة خارج لبنان طوال عقود. لذلك تنتقل المسألة هنا من تصور المستقبل إلى تجربة معيشة فعلية تتداخل فيها الأسرة والعمل والأمان والمصالح الاقتصادية والذاكرة، فضلًا عن تجربة الدولة اللبنانية وأزماتها.

  1. من تصوّر المستقبل إلى تجربة الاستقرار في الخارج

تكشف إجابات المستطلّعين الثمانية أن الاستقرار في الخارج ارتبط في معظمه بعوامل عملية، كالعمل والأمان ومستقبل الأولاد ومستوى المعيشة، أكثر مما ارتبط برفض لبنان بوصفه وطنًا أو هوية. وهذه نقطة مهمة؛ فالاستقرار في المهجر لا يعني بالضرورة انفصالًا وجدانيًا عن لبنان، بل قد يكون استجابة لظروف تجعل الحياة في الخارج أكثر استقرارًا، بينما تبقى العلاقة بالوطن قائمة على مستوى آخر. ويظهر ذلك بوضوح عند نزيه، وهو الأكثر حدة في نقد الواقع اللبناني، من دون أن يلغي نقده تعلقه بلبنان وذاكرته الاجتماعية.

وتبرز الأزمة المالية والمصرفية منذ العام 2019 بوصفها عاملًا خاصًا بهذه الفئة لم يظهر، بطبيعة الحال، بالثقل نفسه عند الأطفال والمراهقين. فقد طالت خسارة الودائع أو احتجازها رنيم ورلى وجوانا ونزيه ونهاد، بينما غاب هذا العامل أو لم يُذكر عند حبيبة وسارة وأحمد. وهنا تدخل إلى علاقة المغترب بوطنه خبرة جديدة تتجاوز الذاكرة والحنين إلى المصلحة المادية وتراجع الثقة بالدولة ومؤسساتها؛ فلبنان لم يعد بالنسبة إلى بعض هؤلاء مكان الأسرة والذكريات فحسب، بل أصبح أيضًا دولة ارتبطت تجربتهم معها بخسارة مالية شخصية.

  1. الموقف من العودة إلى لبنان

لا تقود هذه التجربة، مع ذلك، إلى موقف واحد من العودة. فسارة ونهاد تعبران عن رغبة واضحة في العودة أو قضاء معظم الوقت في لبنان، بينما ترفض حبيبة ورنيم الفكرة، ويجعل الآخرون العودة مشروطة بعوامل شخصية أو عامة: جوانا بموقف شريكها، ورلى بقرار زوجها، وأحمد بالاستقرار والاستقلال المالي مع التقدم في العمر، ونزيه باستعادة الانتظام العام ومحاسبة المسؤولين عن الفساد. وبذلك تبدو العودة في هذه المرحلة العمرية قرارًا مركبًا لا تحكمه قوة الانتماء وحدها، وإنما تدخل فيه الأسرة والوضع المالي والشريك والعمر والثقة بالدولة.

وتقدم حالتا سارة وحبيبة مفارقة لافتة في هذا السياق. فهما متقاربتان نسبيًا في مدة الإقامة في الولايات المتحدة، لكنهما تختلفان في تصور العلاقة بلبنان ومستقبل العودة إليه. فسارة ترى لبنان وطنها وتعبّر في الوقت نفسه عن امتنانها للولايات المتحدة، وتتطلع إلى العودة أو تمضية مرحلة لاحقة من حياتها في لبنان، بينما تعبّر حبيبة عن انتماء مزدوج أكثر توازنًا، لكنها تبتعد عمليًا عن فكرة العودة، بل تجيب بأنها لا تفتقد لبنان. وتؤكد المقارنة بين الحالتين أن التعبير اللفظي عن الهوية لا يكفي وحده للتنبؤ بالسلوك الفعلي تجاه العودة.

وتظهر أهمية اللغة والزيارات عند الحديث عن استمرار العلاقة بلبنان لدى الأبناء. فرَنيم وسارة تذكران ضعف العربية أو غيابها بوصفه عائقًا أمام استمرار الرابطة، بينما تقدم نهاد حالة مختلفة تمامًا؛ فبعد نحو خمسين سنة في ألمانيا تؤكد أن ارتباط ابنتها بلبنان لم يضعف، وتربط ذلك باستمرار حضور لبنان والثقافة والعادات في حياتها وبالزيارات المتكررة إليه. وفي المقابل، تشير سارة إلى عدم تكرار الزيارات بالقدر نفسه. وتوحي هذه الحالات بأن مرور السنوات في ذاته قد يكون أقل أهمية من الطريقة التي تُحفظ بها الصلة بلبنان داخل الأسرة، عبر اللغة والزيارة والثقافة والممارسة اليومية.

وتستحق حالة نهاد وقفة خاصة؛ فهي صاحبة أطول مدة اغتراب في العينة، نحو خمسين عامًا في ألمانيا، ومع ذلك تقدم واحدًا من أوضح تعبيرات الانتماء إلى لبنان. فهي تصفه بأنه “كان ولا يزال وطني”، وتجيب عن العودة بأنها ستقضي معظم وقتها فيه “بالتأكيد، وبلا أدنى شك”، كما تؤكد أن علاقة ابنتها بلبنان لم تضعف. وهذه الحالة وحدها لا تسمح بتعميم علاقة عكسية بين طول الاغتراب وقوة الانتماء، لكنها تقدم دليلًا مهمًا ضد الافتراض المقابل، أي أن طول الإقامة في الخارج يؤدي تلقائيًا إلى تآكل الرابطة بالوطن.

ومن زاوية مختلفة، تتميز حالة نزيه بخطاب أكثر تركيبًا في نقد لبنان. فهو يفصل بين البلد بوصفه ذاكرةً ومجتمعًا ينتمي إليهما، وبين الدولة والطبقة السياسية اللتين يحملّهما مسؤولية الفساد والانهيار، ويصف لبنان في ظل هذه الطبقة بأنه “دولة فاشلة وغير قابلة للحياة”، بينما يجعل العودة مرتبطة باستعادة الانتظام العام والمحاسبة. وتكتسب حالته أهميتها لأنها تكشف أن حدة النقد السياسي لا تعني بالضرورة ضعف الانتماء؛ فقد يكون النقد نفسه صادرًا عن علاقة قوية بالبلد وعن خيبة من الطريقة التي يُدار بها. في آن. وهكذا، لا تكون العودة إلى لبنان ثمرة الانتماء وحده، بل قرارا مركّبا تحكمه الأسرة والعمر والاستقرار المالي والثقة بالدولة وظروف الحياة.

  1. الانتماء لا يفسر بالزمن وحده، وخيط مشترك يجمع الفئات الثلاث

عند مقارنة الحالات الثماني، لا تظهر علاقة مباشرة وبسيطة بين عدد سنوات الاغتراب وقوة الارتباط بلبنان. فنهاد، صاحبة أطول تجربة اغتراب، تحتفظ بانتماء عاطفي واضح ورغبة قوية في العودة، ونزيه، بعد أكثر من عقدين في كندا، يقدم خطابًا شديد الارتباط بلبنان وإن كان بالغ النقد لدولته وطبقته السياسية الفاسدة. وفي المقابل، نجد لدى مستطلَعين آخرين ذوي مدد أقصر مواقف أكثر ابتعادًا عن العودة. وهذا يرجح أن الزمن ليس متغيرًا مستقلًا كافيًا لتفسير استمرار الانتماء أو ضعفه، بل يتفاعل مع الأسرة والزيارات واللغة والتجربة الشخصية والمصالح وظروف لبنان نفسه.

وتكشف هذه الفئة، في المحصلة، مستوى جديدًا من العلاقة بلبنان لم يظهر بهذه الصورة في الفئتين الأصغر سنًا. فلبنان عند الأطفال يتجسد أساسًا في الأسرة والأصدقاء والمكان والذكريات، ويضاف إليه عند المراهقين الطموح والمستقبل والوعي السياسي والاقتصادي والطعام والعائلة، بينما تدخل عند جيل ما فوق الأربعين حصيلة تجربة حياة كاملة: العمل، والأولاد، والشريك، والمال، واللغة، والزيارات، والثقة بالدولة، وإمكان العودة في مرحلة لاحقة من العمر.

ومع ذلك يبقى خيط مشترك يجمع بين الفئات الثلاث: الانتماء إلى لبنان لا يتطابق بالضرورة مع قرار العيش فيه. فقد يستقر المرء عقودًا في الخارج ويبقى لبنان وطنه، وقد يحمل انتماءً مزدوجًا ولا يفكر في العودة، وقد ينتقد الدولة اللبنانية بأقصى درجات القسوة من دون أن يتخلى عن علاقته بالبلد. ومن ثم تشير حالات هذه الفئة إلى أن الاغتراب الطويل لا يمحو الانتماء بصورة آلية، بل قد يعيد تشكيله من علاقة تقوم على المكان المباشر إلى علاقة أكثر تركيبًا تجمع الذاكرة والأسرة والثقافة والمصلحة والتجربة النقدية مع الوطن والدولة.

رابعًا: الفئة العمرية 40 فما فوق. لبنانيون في بلدن الخليج العربية

تكشف إجابات المستطلَعين الثمانية المقيمين في قطر وعُمان والإمارات والسعودية أن الانتماء إلى لبنان يبقى حيًّا مهما طال أمد الاغتراب، حتى لدى من أمضى خمسة وأربعين عامًا أو أكثر خارج البلد، مثل ندى ورندا ويسرا. لكن هذا الثبات العاطفي لا يترجم موقفًا واحدًا من العيش في الخليج أو من احتمال العودة إلى لبنان؛ إذ تتوزع الحالات الثماني على أنماط متمايزة في طريقة التوفيق بين الانتماء إلى الوطن والاستقرار في بلد الإقامة.

  1. بين الهوية الثابتة والانتماء المزدوج

يمكن تمييز ثلاثة أنماط من الانتماء في هذه العينة. يجمع النمط الأول بين الانتماء إلى لبنان والارتباط ببلد الإقامة من دون تعارض، كما عند ندى وجهاد وخالد، الذين يعبّرون عن الامتنان لعُمان وقطر والسعودية لما وفّرته لهم من أمان وعيش كريم، مع بقاء لبنان “الموطن الأصلي”. وينحصر النمط الثاني بالانتماء إلى لبنان وحده، رغم الإقامة الطويلة في الخارج، كما عند ربيع ويسرا ورندا، الذين يعبّرون عن ذلك بعبارات حاسمة مثل “وطني لا غير”، و”انتمائي للبنان فقط، مع كل الاحترام للبلد المضيف”، بما يفصل بين تقدير بلد الإقامة والانتماء الوطني إليه.

أما النمط الثالث، فيظهر عند أمين ونادر، حيث تتجاور الراحة العملية أو الامتنان لما أتاحه بلد الاغتراب من فرص مع استمرار التعلّق العاطفي بلبنان. ويلخص أمين، المقيم في قطر منذ سنتين، هذه العلاقة بقوله إن ارتباطه بلبنان أصبح “أكثر رومانسية مما كان عليه سابقًا”، وهي عبارة توحي بأن البعد قد يعيد تشكيل صورة الوطن في الذاكرة، فيغدو أكثر حضورًا عاطفيًا كلما ابتعد صاحبه عن تفاصيل حياته اليومية.

  1. دوافع الاستقرار في الخليج وموانع العودة الراهنة

حين يفسّر المستطلَعون استمرار إقامتهم في الخارج، لا يظهر رفض لبنان بوصفه وطنًا، بل تتقدم عوامل عملية: العمل، والأمان، ومستقبل الأولاد، ومستوى المعيشة والخدمات، كما عند جهاد وخالد، أو “الرعاية الاجتماعية ورفاهية العيش”، كما عند أمين. وتضيف يسرا بعدًا نقديًا صريحًا حين تعزو عدم عودتها النهائية إلى فساد الطبقة السياسية، فيغدو استمرار الاغتراب، في نظرها، مرتبطًا بفشل داخلي بقدر ارتباطه بمزايا بلد الإقامة.

ويتداخل مع ذلك أثر الأزمة المالية والمصرفية منذ عام 2019؛ إذ خسر خمسة من المستطلَعين الثمانية، هم نادر وندى وجهاد ويسرا ورندا، ودائع أو تعويضات، في حين لم يتأثر أمين وربيع وخالد مباشرة بها. ويضيف ذلك بُعدًا ماديًا شديد الوطأة إلى العلاقة بلبنان: فالوطن ليس موضع حنين وذاكرة فحسب، بل هو أيضًا المكان الذي فقد فيه بعضهم مدخرات العمر أو تعويضات نهاية الخدمة. ويتجلى ذلك بوضوح لدى ندى، التي تعزو رفضها الاستثمار مجددًا إلى «انعدام الثقة»، لا إلى سوء الوضع الاقتصادي وحده.

ومن اللافت أن وزن العامل الاقتصادي نفسه يتغير مع تقدم العمر. فنادر يوضح أنه بعد سن الستين لم يعد الدافع اقتصاديًا بقدر ما أصبح البحث عن الاستقرار والطمأنينة، بعدما كانت المعيشة الكريمة الدافع الأول إلى الاغتراب. وعندما يتحدث المستطلَعون عما يحول دون عيشهم في لبنان، تتكرر الإشارة إلى غياب الأمان، وضعف الدولة والقانون، وقلة فرص العمل. وبذلك يبدو أن المشكلة تتجاوز العامل الاقتصادي إلى أزمة ثقة بقدرة الدولة على توفير شروط الاستقرار والانتظام العام.

  1. العودة المشروطة ونقل الانتماء إلى الأجيال القادمة

يربط معظم المستطلَعين العودة إلى لبنان، أو حتى قضاء وقت أطول فيه، بتحسن الأوضاع. فخالد يشترط ضبط السلاح والفوضى، بينما ترى رندا أن العودة مسألة وقت إذا “عاد الاستقرار وكل لوازم الحياة”. وتستبعد يسرا الفكرة حاليًا بصورة قاطعة. أما ربيع، فيعبّر عن خيبة عميقة من الواقع اللبناني حين يقول إنه لا يستطيع وصف لبنان أكثر “لأنه لا يملكه ولا يحافظ عليه”، وهي عبارة تكشف المسافة بين استمرار الانتماء إلى الوطن والاغتراب عن واقعه الراهن.

أما استمرار الرابطة بلبنان عبر الأجيال، فيكشف تفاوتًا لافتًا. فجهاد يربط نقلها بجهد واعٍ من خلال الزيارات والعائلة والتقاليد، فيما ترى يسرا أن انتماءها شأن ذاتي ينبع من الداخل ولا يتوقف على انتقاله إلى الأولاد. ويبرز خصوصًا التباين بين نادر وخالد: فنادر، الذي عاش أولاده معه سابقًا في كندا وألمانيا، يقرّ بأنهم “لا يملكون الانتماء نفسه لأنهم لم يعيشوا في لبنان”، رغم أنه ربّاهم على محبته؛ بينما أبقى خالد أولاده مقيمين في لبنان في الوقت الذي يعمل فيه هو في السعودية. وتوحي المقارنة بين الحالتين بأن المعايشة المباشرة للبنان قد تكون أشد أثرًا في تكوين الانتماء من مجرد نقل صورته وذكرياته داخل الأسرة.

وتضيف ندى بُعدًا آخر حين تصف لبنان بأنه “جنة” في نظر أولادها، لكنها تحمّل اللبنانيين أنفسهم، لا الدولة وحدها، مسؤولية ما آل إليه بلدهم، فتنتقل في نقدها من المؤسسات والسلطة إلى المجتمع أيضًا.

وفي المحصلة، تظهر الحالات الثماني أن الانتماء إلى لبنان لدى هذه الفئة المقيمة في الخليج لا يتلاشى بالضرورة مع طول الإقامة أو الاستقرار المادي في بلد الاستقبال، لكنه يتعايش مع نظرة واقعية إلى العودة، تتحكم فيها اعتبارات الأمان والثقة بالدولة والاستقرار المعيشي أكثر مما تحكمها قوة الانتماء وحدها. كما تشير الشهادات إلى أن انتقال هذا الانتماء إلى الجيل التالي يرتبط بالأسرة والزيارات والتقاليد، لكنه يزداد رسوخًا حين تقترن هذه الروابط بمعايشة فعلية للبنان.

الاستنتاج العام

تكشف المقارنة بين الفئات الأربع أن الاغتراب لا يقود في ذاته إلى مسار واحد ينتهي بتراجع الانتماء إلى لبنان. فالعلاقة بالوطن تتغير في مضمونها مع العمر وتجربة الإقامة: عند الأطفال تتجسد أساسًا في الأسرة والأصدقاء والقرية والذكريات والرموز؛ وعند المراهقين يضاف إليها التفكير بالدراسة والعمل والمستقبل والوعي بالمشكلات السياسية والاقتصادية؛ أما لدى من تجاوزوا الأربعين فتدخل حصيلة تجربة حياة كاملة، بما فيها الشريك والأولاد والعمل والمال واللغة والزيارات والسياسة والاقتصاد والثقة بالدولة.

وتبرز من الحالات المستطلّعة نتيجة أساسية هي ضرورة الفصل بين الانتماء إلى لبنان وبين قرار العودة إليه. فبعض المستطلّعين يحتفظون بانتماء قوي أو مزدوج مع اختيار الاستقرار في الخارج، وبعضهم يجعل العودة مشروطة بالأمن وفرص العمل وانتظام الدولة، بينما يرغب آخرون في العودة رغم عقود طويلة من الاغتراب. لذلك لا يصلح موقف الفرد من العودة وحده مقياسًا لقوة انتمائه، مثلما لا يكفي طول الإقامة في الخارج لتفسير ضعف هذا الانتماء أو استمراره. بل إن مقارنة حالتي سارة وحبيبة في الفئة الثالثة تكشف أن التعبير اللفظي عن الهوية لا يتنبأ بالضرورة بالسلوك الفعلي تجاه العودة، ما يستدعي الحذر من الاعتماد على تصريحات الانتماء وحدها لقراءة الموقف الفعلي للفرد.

كما لا تظهر مدة الاغتراب متغيرًا حاسمًا مستقلًا. فهناك من ولد في الخارج أو عاش فيه عقودًا وبقي لبنان حاضرًا بوضوح في تعريفه لوطنه وهويته، في مقابل حالات أقصر اغترابًا وأكثر ابتعادًا عن فكرة العودة. ويبدو أن الأسرة واللغة والزيارات والمعايشة المباشرة للبنان والثقافة اليومية، وفي مقدمتها الطعام الذي يتكرر كرابط حسي عبر الفئات الثلاث كلها حتى لدى من يستبعد فكرة العودة كليًا كما عند فرح، عوامل قادرة على إبقاء الرابطة حية، وإن بدرجات مختلفة. وهذا ما يجعل انتقال الانتماء إلى الجيل التالي عملية تحتاج إلى ممارسة فعلية، لا إلى ذاكرة الآباء وحدها.

وتضيف المقارنة بين بلدان الاغتراب الغربية ودول الخليج العربية بعدًا مهمًا. ففي الحالتين يبقى لبنان حاضرًا وجدانيًا، لكن شروط الإقامة والاستقرار تختلف. فالإقامة في بعض الدول الغربية قد تتحول إلى استقرار دائم وتجنس وحياة تمتد عبر الأجيال، بينما تبقى الإقامة في الخليج مرتبطة في حالات كثيرة بالعمل وشروطه. ومع ذلك، لا تكشف العينة أن هذا الاختلاف ينتج آليًا انتماءً أقوى أو أضعف، بل يؤثر أساسًا في حسابات الاستقرار والعودة وفي طبيعة العلاقة العملية ببلد الإقامة. وتضيف حالة أمين في الفئة الرابعة ملاحظة نفسية لافتة في هذا السياق: إذ يبدو أن البعد الزمني والمكاني قد يعيد تشكيل صورة الوطن في الذاكرة نحو مزيد من المثالية والحضور العاطفي، لا نحو التلاشي بالضرورة.

أما العامل الأكثر وضوحًا لدى البالغين، فهو تراجع الثقة بالدولة اللبنانية. فقد أدخلت الأزمات السياسية والأمنية، وخصوصًا الانهيار المالي واحتجاز الودائع، وما تبعها تفجير مرفأ بيروت في العام 2020، عنصرًا جديدًا إلى علاقة المغترب بوطنه: لم تعد المسألة حنينًا وهوية فقط، بل أصبحت أيضًا تجربة مباشرة مع دولة لا توفر، في نظر عدد من المستطلعين، الأمن والانتظام وحماية المدخرات. وفي بعض الحالات، كما عند ندى في الفئة الرابعة، يتجاوز هذا النقد الدولة إلى المجتمع اللبناني نفسه، الذي يُحمَّل جزءًا من مسؤولية ما آل إليه البلد. ومن هنا يمكن أن يجتمع التعلق الشديد بلبنان مع نقد قاسٍ لدولته وطبقته السياسية ومجتمعه، من دون تناقض.

النتيجة العامة: وعليه، يمكن الإجابة عن السؤال الذي انطلقت منه هذه الدراسة: فالعمر وتباعد الأجيال واختلاف بيئة الاغتراب لا يُضعفان الانتماء إلى لبنان بصورة تلقائية أو خطية، بل يعيدان تشكيل مضمونه وأشكال التعبير عنه. لا تكشف هذه الحالات عن ذوبان تدريجي وحتمي للانتماء اللبناني في الاغتراب، بل عن تحوله من انتماء يقوم على المكان والمعايشة المباشرة إلى رابطة أكثر تركيبًا تجمع الأسرة والذاكرة والثقافة والتجربة والمصلحة. والجديد الذي يبرزه الاستطلاع هو أن قوة الانتماء لا تحدد وحدها قرار العودة؛ فالعامل الحاسم يصبح، مع التقدم في العمر، قدرة لبنان على أن يكون دولة قابلة للعيش والثقة، لا مجرد وطن حاضر في الوجدان.

https://hura7.com/?p=83880

الأكثر قراءة