جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

عندما تعلن إيران عبر وسائل إعلامها الرسمية عن استهداف دولة عربية خليجية، وتحديدًا الكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة والأردن، أو أي دولة مجاورة، فإن الأمر لا يُقرأ فقط باعتباره تطورًا عسكريًا ميدانيًا، بل يحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود العملية نفسها. فاختيار الهدف، وطريقة الإعلان عنه، وتوقيت بث الخبر عبر التلفزيون الرسمي الحكومي، كلها عناصر تدخل ضمن إدارة طهران للصراع ومحاولتها التأثير على الرأي العام الداخلي والخارجي.
وتقوم إيران، فور الإعلان عن مثل هذه العمليات، باستخدام الإعلام الرسمي كمنصة لإيصال رسائل متعددة في وقت واحد. فالإعلان عبر التلفزيون الحكومي لا يهدف فقط إلى نقل خبر عسكري، بل يتحول إلى جزء من معركة الرسائل السياسية والنفسية، حيث تسعى طهران إلى إظهار قدرتها على الرد، والتأكيد على امتلاكها أدوات ضغط تتجاوز حدودها الجغرافية.
توسيع دائرة الردع والضغط الإقليمي
إذا قامت إيران باستهداف دولة عربية خليجية أو دولة مجاورة، فإن إحدى الرسائل المحتملة تتمثل في محاولة توسيع مفهوم الردع. فطهران تريد إظهار أن قدرتها على المواجهة لا تقتصر على خصومها المباشرين، مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل تمتد إلى البيئة الإقليمية المحيطة بها.
ويرتبط اختيار دول الخليج بشكل خاص بموقعها الجغرافي القريب من إيران، وأهميتها في أسواق الطاقة العالمية، إضافة إلى علاقاتها الأمنية والعسكرية مع واشنطن. ومن خلال توجيه رسائل عسكرية أو إعلامية تجاه هذه الدول، قد تسعى طهران إلى القول إن أي ضغوط سياسية أو عسكرية عليها يمكن أن تكون لها تداعيات على المستوى الإقليمي. كما أن استهداف دول مثل الكويت والبحرين والإمارات، أو التلويح بذلك، يحمل رسالة سياسية مفادها أن أي دولة ترى إيران أنها جزء من منظومة الضغط عليها قد تدخل ضمن حساباتها الأمنية.
محاولة تغيير قواعد الاشتباك
يمثل استهداف دولة عربية خليجية أو الإعلان عن القدرة على استهدافها محاولة محتملة لتغيير قواعد الاشتباك. فبدلًا من حصر المواجهة بين إيران وخصومها الأساسيين، تسعى طهران إلى توسيع دائرة الحسابات بحيث تشمل الأطراف التي ترى أنها تقدم دعمًا سياسيًا أو عسكريًا للخصوم. وتقوم هذه الرسالة على مبدأ أن أي دولة تسمح باستخدام أراضيها أو منشآتها في إطار مواجهة إيران قد تصبح جزءًا من دائرة الرد. وبهذا تحاول طهران رفع تكلفة التحالفات الإقليمية، وإجبار بعض الدول على إعادة تقييم مستوى تعاونها الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة.
الإعلام الإيراني كأداة لإدارة الصراع
لا يقتصر دور الإعلام الرسمي الإيراني خلال الأزمات على نقل الأخبار، بل يتحول إلى أداة ضمن استراتيجية إدارة الصراع. فبث الأخبار عبر التلفزيون الحكومي يمنح الرسالة بعدًا نفسيًا وسياسيًا، ويخدم عدة أهداف في الوقت نفسه. فعلى المستوى الداخلي، قد تستخدم السلطات الإيرانية هذه الرسائل لتعزيز صورة القوة والصمود أمام الجمهور، خصوصًا في حال تعرض البلاد لضغوط أو ضربات عسكرية. ويهدف ذلك إلى تقديم رواية مفادها أن إيران لا تزال قادرة على المبادرة والرد، وأنها تمتلك أوراق قوة في مواجهة خصومها.
أما على المستوى الخارجي، فإن الإعلان عبر الإعلام الرسمي قد يكون جزءًا من حرب نفسية تهدف إلى إرسال رسالة ردع إلى الخصوم والحلفاء على حد سواء، مفادها أن طهران قادرة على توسيع نطاق المواجهة ورفع تكلفة أي تصعيد ضدها.
استعادة الهيبة وإظهار القدرة على الرد
في أوقات الأزمات، قد تلجأ الدول إلى استخدام الخطاب الإعلامي لتقليل أثر الضغوط التي تواجهها. وفي الحالة الإيرانية، يمكن أن يكون الإعلان عن عمليات خارج الحدود وسيلة لإظهار أن الدولة لا تزال تمتلك زمام المبادرة، وتحويل التركيز من الأضرار أو الضغوط التي تعرضت لها إلى قدرتها على إلحاق خسائر بالآخرين. كما يمكن أن يخدم هذا الخطاب هدفًا سياسيًا داخليًا، من خلال تعزيز صورة النظام باعتباره قادرًا على حماية مصالحه والرد على خصومه، خصوصًا أمام قواعده الشعبية والجهات الداعمة له.
هل يعني ذلك أن إيران تريد حربًا شاملة مع الدول العربية؟
رغم خطورة استهداف الدول العربية أو التهديد بذلك، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن إيران تسعى إلى حرب شاملة مع دول الخليج أو الدول المجاورة. ففتح جبهات متعددة سيكون له تكلفة عسكرية واقتصادية كبيرة على طهران، وقد يؤدي إلى تدخل دولي أوسع. وفي كثير من الصراعات، تُستخدم التهديدات والرسائل الإعلامية كجزء من سياسة الردع دون أن تعني بالضرورة الرغبة في خوض مواجهة مفتوحة. لكن الخطر يكمن في أن سوء التقدير أو التصعيد المتبادل قد يحول الرسائل السياسية إلى مواجهة فعلية، خصوصًا في منطقة الخليج التي تتداخل فيها مصالح الطاقة والأمن والقوى الدولية.
الخلاصة
إن استهداف الدول العربية لا يتعلق فقط بالهدف العسكري المباشر، بل يحمل رسائل إيرانية محتملة تتعلق بمحاولة إعادة رسم قواعد الردع في المنطقة. فالإعلان عبر التلفزيون الرسمي يجمع بين هدفين أساسيين: رفع المعنويات داخليًا وإرسال تحذير خارجي.
وبذلك يصبح الإعلام جزءًا من أدوات المواجهة، إلى جانب القوة العسكرية والضغط السياسي. إلا أن توسيع نطاق الاستهداف ليشمل دول الجوار قد يحمل مخاطر كبيرة، إذ يمكن أن يحول استراتيجية الردع إلى مسار تصعيدي يصعب التحكم بنتائجه في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الأمنية والاقتصادية.


