جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

عاد الملياردير الأمريكي إيلون ماسك إلى واجهة المشهد السياسي في الولايات المتحدة، بعد فترة من الابتعاد النسبي عن النشاط الحزبي المباشر، في خطوة أثارت تساؤلات حول طبيعة الدور الذي يسعى إلى لعبه مع اقتراب انتخابات الكونغرس المقبلة. وتأتي هذه العودة في وقت يواجه فيه الحزب الجمهوري تحديات داخلية تتعلق بمستقبل تيار “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” (MAGA)، وبالعلاقة بين الولاء للرئيس دونالد ترامب والتوجهات التقليدية للحزب.
وبرز حضور ماسك السياسي مجددًا من خلال مقابلة أجراها مع مجلة ذي إيكونوميست، تناول خلالها قضايا داخلية وخارجية، ووجّه انتقادات لعدد من الشخصيات البارزة في الحزب الديمقراطي، كما كرر مواقفه المتشددة بشأن الهجرة وسياسات الحدود، معتبرًا أنها تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الدول الغربية.
عودة إلى التمويل السياسي
بالتوازي مع هذه التصريحات، أفادت تقارير إعلامية أمريكية بأن ماسك عاد إلى تقديم دعم مالي لمرشحين جمهوريين استعدادًا لانتخابات الكونغرس، في مؤشر على رغبته في استعادة نفوذه داخل الحياة السياسية الأمريكية، بعد التجربة المثيرة للجدل التي خاضها خلال الانتخابات الرئاسية السابقة.
وكان ماسك قد أنفق خلال انتخابات عام 2024 مئات ملايين الدولارات لدعم حملة دونالد ترامب عبر لجان عمل سياسية، على أمل المساهمة في مشروع إصلاح مؤسسات الدولة. إلا أن العلاقة بين الرجلين شهدت لاحقًا تباينات، خاصة بعد الجدل الذي رافق السياسات المرتبطة بإعادة هيكلة المؤسسات الحكومية وتسريح أعداد كبيرة من الموظفين، وهي خطوات أثارت انتقادات واسعة داخل الولايات المتحدة.
خطاب محافظ
تعكس تصريحات ماسك الأخيرة تبنيًا واضحًا لخطاب المحافظين الأمريكيين، ولا سيما فيما يتعلق بقضايا الهجرة والهوية الوطنية. فقد حذر من تداعيات الهجرة غير النظامية على المجتمعات الغربية، وانتقد عدداً من الساسة الأوروبيين والأمريكيين الذين يدافعون عن سياسات أكثر انفتاحًا في هذا المجال.
ويرى مراقبون أن هذه المواقف تضع ماسك في موقع قريب من التيار المحافظ داخل الحزب الجمهوري، وإن كان يحتفظ في الوقت نفسه بمساحة استقلالية عن القيادة التقليدية للحزب.
رهان على انتخابات الكونغرس
يعتقد عدد من المحللين أن اهتمام ماسك يتركز بصورة أساسية على انتخابات الكونغرس المقبلة، في ظل توقعات بأن يكون الفارق بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي محدودًا في مجلسي النواب والشيوخ. وفي مثل هذا السيناريو، قد يتمكن أي تيار يمتلك عددًا محدودًا من النواب أو الشيوخ من التأثير في موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية. ومن هذا المنطلق، يرى بعض الخبراء أن ماسك قد يسعى إلى دعم مجموعة من المرشحين المتوافقين مع رؤيته السياسية، بما يمنحه نفوذًا غير مباشر في رسم سياسات الحزب الجمهوري خلال السنوات المقبلة.
الجمهوريون بين ترامب وما بعد ترامب
تكشف عودة ماسك أيضًا عن النقاش الدائر داخل الحزب الجمهوري بشأن مستقبله السياسي. فبينما لا يزال ترامب الشخصية الأكثر تأثيرًا داخل الحزب، يعتقد بعض الجمهوريين أن استمرار ربط الحزب بشخص الرئيس وحده قد يحد من قدرته على توسيع قاعدته الانتخابية، خصوصًا إذا تراجعت شعبيته. وفي المقابل، يرى آخرون أن تيار “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” أصبح أوسع من كونه مرتبطًا بشخص ترامب، وأن المرحلة المقبلة قد تشهد محاولات للحفاظ على هذا التيار مع إضفاء طابع مؤسسي عليه، وهو ما يدفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن ماسك يسعى إلى لعب دور في هذا التحول.
المال والسياسة
تسلط عودة ماسك الضوء أيضًا على الدور المتنامي الذي يلعبه كبار رجال الأعمال في الحياة السياسية الأمريكية، سواء عبر تمويل الحملات الانتخابية أو التأثير في النقاشات العامة من خلال وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. ويُنظر إلى ماسك بوصفه أحد أكثر الشخصيات قدرة على الجمع بين النفوذ الاقتصادي والتأثير الإعلامي والسياسي، وهو ما يجعل أي تحرك يقوم به محل متابعة واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها.
مستقبل الدور السياسي لماسك
بالرغم أنه من المبكر تحديد مدى نجاح ماسك في تحقيق أهدافه السياسية، فإن المؤشرات الحالية توحي بأنه يسعى إلى ترسيخ موقعه كلاعب مؤثر داخل المعسكر المحافظ، ليس من خلال الترشح لمنصب سياسي، بل عبر التأثير في تركيبة الحزب الجمهوري وتمويل مرشحين يتبنون رؤيته.
ومع اقتراب انتخابات الكونغرس، ستتضح بصورة أكبر حدود هذا الدور، وما إذا كان ماسك سيتمكن من تحويل نفوذه المالي والإعلامي إلى نفوذ سياسي مؤثر داخل الحزب الجمهوري، أم أن حضوره سيظل مرتبطًا بالتأثير في النقاش العام أكثر من قدرته على إعادة تشكيل الخريطة السياسية الأمريكية.


