جريدة الحرة ـ بيروت
وكالات ـ في أعقاب التهديدات التي أطلقها دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية إضافية على الدول الأوروبية التي تعارض طموحاته للاستحواذ على غرينلاند، أكدت الدول الأوروبية الثماني المعنية وحدة موقفها، يوم الأحد 18 يناير/كانون الثاني، في وقت يدرس فيه الاتحاد الأوروبي سبل الرد الممكنة. وفي هذا السياق، أعلن وزير المالية الألماني، يوم الاثنين 19 يناير/كانون الثاني، أن قادة القارة العجوز يستعدون لاتخاذ “تدابير مضادة” ردا على ما وصفه بـ”الابتزاز الأميركي”. بالتوازي، كشف مقربون من الرئيس الفرنسي عن نية باريس التقدم بطلب إلى بروكسل لتفعيل “آلية مكافحة الإكراه”. لكن ما هي هذه الأداة التي اعتمدها الاتحاد حديثا والتي جاءت أساسا في سياق التصدي لضغط اقتصادي صيني؟
بدأ في بروكسل، مساء الأحد 18 يناير/كانون الثاني، اجتماع طارئ لسفراء الدول السبع والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ورغم أن الاجتماع لم يسفر عن قرارات فورية، فإنه أتاح، على الأقل، تبادل وجهات النظر بشأن الردود المحتملة على التهديدات الجديدة الصادرة عن دونالد ترامب، والتي أثارت ردود فعل أوروبية قوية. من برلين إلى بروكسل ثم إلى باريس، حيث أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بحسب مقربين منه، إلى أنه سيطلب من نظرائه الأوروبيين تفعيل “آلية مكافحة الإكراه” (Instrument anti-coercition) التابعة للاتحاد الأوروبي في حال نفذت تهديدات دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية إضافية.
أداة حديثة لم تستخدم من قبل: ما هي “آلية مكافحة الإكراه”؟
صادق الاتحاد الأوروبي، في يونيو/حزيران 2023، على إنشاء “آلية مكافحة الإكراه”، التي تهدف إلى “معاقبة” أي دولة تلجأ إلى استخدام الضغوط أو العقوبات الاقتصادية للتأثير على إحدى الدول الأعضاء.
وبحسب النصوص الأوروبية، يعتبر “الإكراه الاقتصادي” قائما عندما تقوم دولة ثالثة “بتطبيق أو التهديد بتطبيق إجراء يؤثر على التجارة أو الاستثمارات”، بقصد التدخل “في الخيارات السيادية المشروعة للاتحاد الأوروبي أو لإحدى دوله الأعضاء”.
ويذكر أن اعتماد هذه الآلية سبق عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إذ جرى التفكير فيها أساسا في سياق التوترات التي سادت العلاقات بين ليتوانيا والصين، حين اتهمت الدولة البلطيقية بكين آنذاك بعرقلة صادراتها، احتجاجا على افتتاح مكتب تمثيلي لتايوان في فيلنيوس، عاصمة ليتوانيا.
وبعد أكثر من عام من المفاوضات دخلت الآلية حيز التنفيذ في خريف عام 2023 لكنها لم تفعل أبدا، على الرغم من طرح احتمال اللجوء إليها في ربيع 2025، ردا على الرسوم الجمركية التي أعلنها ساكن البيت الأبيض آنذاك.
عقوبات تجارية متنوعة في جعبة الاتحاد الأوروبي
تتيح “آلية مكافحة الإكراه” للاتحاد الأوروبي مجموعة من إجراءات الرد، منها الاستبعاد من المناقصات العامة، أو منع تسويق بعض المنتجات داخل السوق الأوروبية، وكذلك منع الاستثمارات الأجنبية.
ويشير المراقبون إلى أنه في حالة الولايات المتحدة، قد يقتصر الرد في البداية على تقييد الإعلانات الرقمية على المنصات الإلكترونية. أما إذا شدد الاتحاد الأوروبي موقفه، فقد يصل الأمر إلى تقييد استيراد المنتجات الأميركية إلى السوق الأوروبية الموحدة، التي تعد حتى اليوم الأكبر عالميا من حيث عدد المستهلكين.
كيف تطبق “البازوكا” الأوروبية؟
أما بالنسبة لطريقة تفعيل الآلية، التي يطلق عليها أيضا اسم “بازوكا”، فتمر في البداية إما بمبادرة من المفوضية الأوروبية أو بناء على طلب دولة عضو. وتمتلك المفوضية أربعة أشهر لتقييم ما إذا كان هناك إكراه اقتصادي أم لا. وبعد ذلك، يحتاج هذا القرار إلى موافقة مجلس الاتحاد الأوروبي خلال شهرين، بدعم 55% على الأقل من الدول الأعضاء (15 دولة)، الذين يمثلون في نفس الوقت 65% من سكان الاتحاد الأوروبي.
وهذا يعني أن الموافقة على تفعيل الآلية تعتمد بشكل كبير على مواقف الدول الكبرى. وفي حال منح الضوء الأخضر، تبدأ بعدها مرحلة وساطة مفتوحة زمنيا، تحاول خلالها المفوضية إقناع الدولة المستهدفة بوقف الإجراءات المعادية للتكتل. وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، تقترح المفوضية أكثر التدابير المضادة ملاءمة من ترسانة الآلية.
ماذا يقول تلويح ماكرون بهذا الإجراء عن الموقف الفرنسي؟
يعرف الاتحاد الأوروبي تقليديا بتفضيله القنوات الدبلوماسية، ما يجعل الوصول إلى هذا النوع من التدابير ملاذا أخيرا بعد استنفاد كل قنوات الوساطة. وإذا كان ماكرون يدفع اليوم نحو تفعيل “البازوكا”، فلأنه يرى، حسب ما نقلته الصحف المحلية عن مقربين منه، أن “جميع المسارات الأخرى قد استنفدت في التعامل مع دونالد ترامب، وأن الوقت حان لتشديد الرد الأوروبي”.
من جهتها، اعتبرت النائبة الأوروبية الفرنسية لورانس فارينغ، العضو في كتلة “تجديد أوروبا” (Renew Europe) ، أن “رئيس الجمهورية أصاب الهدف باقتراحه تفعيل هذه الآلية، لأنها تمس نقطة الضعف الحقيقية لدى ترامب الأعمال والاقتصاد”، مضيفة أن “قوة السوق الأوروبية حقيقية، والولايات المتحدة وشركاتها الكبرى لا يمكنها الاستغناء عنها”.


