جريدة الحرة
خاص ـ رحب الاتحاد الأوروبي في بيان بوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه اليوم بين الولايات المتحدة وإيران، وتابع البيان: “نشكر باكستان وجميع الشركاء المعنيين على تسهيل هذا الاتفاق المهم، يجب أن يكون الهدف الآن هو التفاوض على إنهاء سريع ودائم للحرب خلال الأيام القادمة.
ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال الوسائل الدبلوماسية، نشجع بشدة على إحراز تقدم سريع نحو التوصل إلى تسوية جوهرية عن طريق التفاوض”. أضاف البيان: “سيكون هذا الأمر بالغ الأهمية لحماية السكان المدنيين في إيران وضمان الأمن في المنطقة، ويمكن أن يجنبنا أزمة طاقة عالمية حادة.
ندعم هذه الجهود الدبلوماسية. ولتحقيق هذه الغاية، نحن على اتصال وثيق مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين، ندعو جميع الأطراف إلى تنفيذ وقف إطلاق النار، بما في ذلك في لبنان، ستساهم حكوماتنا في ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز”.
تمت الموافقة على هذا البيان من قبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، والمستشار الألماني فريدريش ميرز، ورئيس الوزراء البريطاني ستارمر، ورئيس المفوضية الأوروبية فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي كوستا، بالإضافة إلى قادة أوروبيين آخرين.
فشل التوصل إلى اتفاق تفاوضي
بعد أن حاول فريق دبلوماسي بقيادة نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، وفشل، في التوصل إلى اتفاق تفاوضي لإنهاء الحرب الأمريكية مع إيران، كان على الرئيس دونالد ترامب أن يقرر خطوته التالية، وجاء ذلك في 12 أبريل 2026 في سلسلة من المنشورات على منصة Truth Social. وكتب أن الولايات المتحدة ستفرض حصارا بحريا على إيران.
وأضاف: “لن يتمتع أي شخص يدفع رسوما غير قانونية بالمرور الآمن في أعالي البحار”. وقال إن الولايات المتحدة ستواصل إزالة الألغام من مضيق هرمز لضمان مرور آمن لسفن الحلفاء. وأضاف أن الجيش الأمريكي على أهبة الاستعداد لاستئناف الهجمات على إيران في الوقت المناسب.
تابع ترامب قائلا إنه على الرغم من إحراز تقدم في المفاوضات التي استمرت 20 ساعة في إسلام أباد، فإن إيران لن تستجيب لمطلب الولايات المتحدة بالتخلي عن طموحاتها النووية. على الرغم من أن منشورات ترامب لم تحمل نبرة التهديد اتسم بها تهديده منذ بدء الحرب بإنهاء الحضارة الإيرانية، إلا أنها تشكل عددا من التحديات الجديدة والمخاطر للجانب الأوروبي الأمريكي، لا سيما إذا قررت الدول الأوروبية المشاركة لفتح مضيق هرمز.
تقول ستيسي غودارد، أستاذة العلوم السياسية في كلية ويليسلي بالولايات المتحدة: “نحن حقا في أدنى مستويات النظام القائم على القواعد”. يُعرَّف النظام القائم على القواعد عموما بأنه مجموعة من المعايير والمؤسسات التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية، واكتسبت أهمية جديدة مع انتهاء الحرب الباردة.
تابعت غودارد: “إنه نظام قائم على عدد من القواعد، التي تُعرَّف غالبًا بأنها قواعد ليبرالية، مصممة لخلق أنماط وتنظيم العلاقات الدولية. الفكرة هي إنشاء نظام يُقيِّد الدول فعليًا في كيفية تعاملها مع بعضها البعض”.
هل ستزيد عمليات إزالة الألغام من خطر تعرض السفن البحرية الأوروبية لهجمات إيرانية؟
من المحتمل لأي مشاركة أوروبية أن ترفع من مستوى المخاطر مؤقتا على السفن البحرية الأوروبية، لكنها في الوقت نفسه ضرورية لتقليل الخطر على المدى المتوسط والبعيد. الصورة هنا مركبة وليست أحادية الاتجاه. حيث أن عمليات إزالة الألغام تعد عملا عسكريا حساسا وقريبا جدا من مسرح التوتر. السفن التي تقوم بها تكون بطيئة الحركة ومركزة على مهام تقنية، ما يجعلها أكثر عرضة للاستهداف.
كما قد تنظر إيران إلى هذه العمليات على أنها تدخل مباشر ضد نفوذها أو تقويض لأدواتها في الردع، فترد عبر وسائل غير مباشرة مثل الزوارق السريعة، الطائرات المسيرة، أو التشويش الإلكتروني. غالبا لن يكون الرد مواجهة تقليدية مفتوحة، بل هجمات محدودة أو غير مباشرة لتجنب التصعيد الشامل.
يشمل هذا تهديد واستهداف السفن بشكل محسوب يرسل رسالة دون إشعال حرب واسعة. رغم المخاطر، فإن إزالة الألغام تقلل الخطر الأكبر المتمثل في إغلاق الممر الملاحي بالكامل أو تعرض سفن تجارية لانفجارات عشوائية. أي أن عدم القيام بها قد يكون أخطر بكثير على المدى الطويل.
عادة ما تتم هذه العمليات ضمن حماية عسكرية مشددة، وبمرافقة سفن حربية وأنظمة مراقبة متقدمة، إضافة إلى تنسيق دولي لتقليل فرص سوء الفهم أو التصعيد. يقول السيناتور مارك وارنر من ولاية فرجينيا، وهو العضو الديمقراطي البارز في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، لشبكة: “لا أفهم كيف سيؤدي حصار المضيق بطريقة ما إلى دفع الإيرانيين لفتحه”.
مستقبل نفوذ الاتحاد الأوروبي
يصف أميتاف أشاريا، الأستاذ في كلية الخدمة الدولية بالجامعة الأمريكية في واشنطن ومؤلف كتاب “النظام العالمي الماضي والمستقبلي” أن النظام العالمي سيصبح متعدد الأبعاد، وتابع “في النظام متعدد الأبعاد، لا توجد قوة عظمى واحدة أو اثنتان أو حفنة من القوى العظمى. بل يوجد نطاق أوسع بكثير. هناك قوى متوسطة، وقوى إقليمية، وفاعلون غير حكوميين، ومجتمع مدني”.
سيتم التعاون على المستوى العالمي، كما هو الحال مع الأمم المتحدة، وعلى المستوى الإقليمي. ولا يقتصر الأمر على توزيع السلطة فحسب، بل يشمل كذلك تبادل الأفكار والمعرفة واعتماد معايير مشتركة.
في هذا السياق، يتوقف الكثير على ما يُسمى بالقوى المتوسطة، والتي يرى بعض المحللين أن الاتحاد الأوروبي ينتمي إليها. أو كما يقول أشاريا: “ستكون هناك إندونيسيا في جنوب شرق آسيا، وستكون هناك جنوب أفريقيا في أفريقيا. لذا أرى عالما يضم مجموعة متنوعة من الفاعلين على الصعيدين العالمي والإقليمي”.
تعكس هذه التطورات انتقال الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران من طور المواجهة المباشرة إلى مرحلة أكثر تعقيدا تقوم على مزيج من الضغط العسكري المحدود والمناورة الدبلوماسية، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة في المديين القريب والمتوسط.
على المدى القريب، من المرجح أن يستمر ما يمكن وصفه بـ”التصعيد المنضبط”. فالولايات المتحدة، عبر فرض حصار بحري ومواصلة عمليات إزالة الألغام، تسعى إلى تأمين حرية الملاحة وفرض وقائع ميدانية دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
في المقابل، ستعتمد إيران على استراتيجيات الرد غير المتماثل، مثل التحرش بالسفن، واستخدام الزوارق السريعة والطائرات المسيرة، وربما استهداف محدود ومدروس لبعض الأصول البحرية. هذا النمط من التفاعل سيؤدي إلى ارتفاع المخاطر التكتيكية، خاصة بالنسبة للسفن الأوروبية المشاركة في تأمين المضيق، دون أن يصل إلى مستوى مواجهة مفتوحة.
بالنسبة لأوروبا، فإن أي انخراط في عمليات إزالة الألغام أو حماية الملاحة سيضعها أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، هناك حاجة استراتيجية لضمان تدفق الطاقة والتجارة، ومن جهة أخرى، هناك مخاطر مباشرة تتعلق باستهداف قواتها أو توريطها في صراع لا تملك السيطرة الكاملة على مساراته.
لذلك، من المتوقع أن تتبنى الدول الأوروبية مقاربة حذرة تقوم على المشاركة المحدودة والمشروطة، مع التركيز على العمل ضمن أطر متعددة الأطراف لتقليل المخاطر السياسية والعسكرية.
على المدى المتوسط، قد نشهد تبلور نمط جديد من “أمن الممرات البحرية”، حيث يتم تعزيز الوجود العسكري الدولي في مضيق هرمز، ليس فقط كإجراء مؤقت، بل كترتيب شبه دائم.
هذا قد يترافق مع تطوير قواعد اشتباك أكثر وضوحا لتجنب الحوادث غير المقصودة، لكنه في الوقت ذاته سيبقي مستوى التوتر مرتفعا ويجعل أي خطأ تكتيكي قابلا للتحول إلى أزمة أكبر.
اقتصاديا، ستظل الأسواق الأوروبية حساسة للغاية لأي تطور في المضيق. استمرار التهديد، حتى دون إغلاق فعلي، سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، ما ينعكس على أسعار الطاقة. هذا سيدفع أوروبا بشكل متزايد إلى تسريع استراتيجيات تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز البنية التحتية البديلة، بما في ذلك خطوط الإمداد البرية ومصادر الطاقة المتجددة.
أما على المدى البعيد، فإن تكرار مثل هذه الأزمات قد يؤدي إلى إعادة تشكيل قواعد اللعبة في الخليج. قد تظهر ترتيبات أمنية جديدة، سواء بقيادة دولية أو إقليمية، لتنظيم الملاحة وتقليل الاعتماد على التوازنات الهشة.
كما قد تعزز هذه التطورات من توجه أوروبا نحو بناء قدرات أمنية مستقلة، خاصة في المجال البحري، لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة في إدارة الأزمات.
في المقابل، ستظل إيران تنظر إلى المضيق كورقة استراتيجية حيوية، ومن غير المرجح أن تتخلى عن استخدامه كأداة ضغط ما لم تحصل على مكاسب سياسية واضحة، خاصة في ملفها النووي. لذلك، فإن أي استقرار مستدام سيظل مرهونا بتسوية سياسية أوسع تتجاوز البعد العسكري المباشر.
يبدو أن المنطقة تتجه نحو نموذج صراع منخفض الحدة لكنه طويل الأمد، حيث تتداخل الردع والاحتكاك المستمر، وتصبح إدارة المخاطر والتصعيد المحدود السمة الغالبة، مع بقاء احتمالات الانفجار قائمة في حال اختلال هذا التوازن الدقيق.


