جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

رغم ما تمتلكه دول الخليج من قدرات عسكرية تفوق إيران بشكل كبير، وكذلك قدرات تكنولوجية واستخباراتية متطورة تتناسب مع الحروب الحديثة، فإن هذه الدول تظل حريصة على تجنب الانخراط المباشر في الحرب. ورغم المحاولات الإيرانية المستمرة لجرها إلى الصراع وتكثيف التهديدات التي تمس أمنها الاقتصادي والمالي والنفطي، فإن دول الخليج تلتزم بسياسة الحذر والابتعاد عن التصعيد العسكري. ومن خلال تحليل هذه السياسة، نجد أن هناك عدة عوامل رئيسية تقف وراء عدم انخراط هذه الدول في الحرب، حتى في ظل محاولات إيران المستمرة لجرها إلى استنزاف عسكري واقتصادي.
1-الموقف الأمريكي غير الواضح:
أحد العوامل الأساسية التي تحجم دول الخليج عن الانخراط في الحرب هو عدم وضوح الموقف الأمريكي بشأن الوضع في إيران. تاريخياً، كانت الولايات المتحدة حليفًا قويًا للدول الخليجية، حيث كانت تقدم الدعم العسكري والتكنولوجي لحمايتها من التهديدات الإيرانية. ولكن الموقف الأمريكي حاليًا يبدو غامضًا، خاصة فيما يتعلق بمستقبل النظام الإيراني.
على الرغم من الضغوطات الدولية، بما في ذلك العقوبات الاقتصادية على إيران، لا يظهر أن واشنطن تتبنى موقفًا قويًا نحو إسقاط النظام الإيراني أو الإطاحة به، بل على العكس، تسعى بعض الدوائر الأمريكية إلى الحفاظ على استقرار النظام الإيراني باعتباره “الشرطي” الإقليمي الذي يمكنه إيقاف الفوضى في الشرق الأوسط.
تفضّل دول الخليج أن تظل على علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة، لكن الموقف الأمريكي المتذبذب يجعلها غير متأكدة من دعمها الكامل في حال قررت المواجهة مع إيران. لذلك، تفضل دول الخليج تبني سياسة الحذر وعدم الانخراط في صراع قد تقوده الولايات المتحدة، خاصة في ظل المخاوف من نتائج غير محسوبة قد تعود على أمن الخليج وحماية مصالحها.
2- خوف من أن تكون الحرب تحت قيادة إسرائيل:
عامل آخر رئيسي يكمن في العلاقة المعقدة بين إسرائيل والدول الخليجية. في الوقت الذي تواصل فيه دول الخليج تعزيز علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، فإنها تبدي تخوفًا من أن تؤدي الحرب ضد إيران إلى تورط غير مباشر لإسرائيل في الصراع، مما سيغير تمامًا مسار الحرب ويعزز موقف إسرائيل في المنطقة.
العديد من الدول الخليجية تفضل الابتعاد عن أي صراع قد يراه البعض بمثابة دعم لإسرائيل أو حرب بالنيابة عنها. إذ أن الدخول في حرب قد يتم تصويره على أنه انخراط في الحرب التي تقودها إسرائيل ضد إيران، وهذا يتناقض مع السياسات التي تنتهجها دول الخليج في التعامل مع قضايا المنطقة. كما أن تورط إسرائيل في الصراع قد يزيد من تعقيد العلاقات مع جيرانها، خاصة مع الدول العربية التي ما تزال تتبنى مواقف حذرة تجاه تل أبيب.
3- الابتعاد عن حرب استنزاف طويلة الأمد:
واحدة من أكبر المخاوف التي تثيرها دول الخليج من الانخراط في صراع عسكري طويل الأمد مع إيران هي مخاطر الاستنزاف الاقتصادي والعسكري. رغم أن هذه الدول تمتلك قدرات عسكرية متقدمة تفوق بكثير قدرات إيران، إلا أن أي حرب ممتدة في المنطقة سيكون لها تداعيات اقتصادية كارثية على دول الخليج التي تعتمد في قوتها الاقتصادية على عائدات النفط.
إيران، ورغم ضعف قدراتها العسكرية مقارنة بالدول الخليجية، قد تكون قادرة على استهداف طرق الإمداد البحري في الخليج، وهو ما سيؤثر بشكل مباشر على صادرات النفط، ويضع الاقتصاد الخليجي تحت ضغط هائل. علاوة على ذلك، قد تجد دول الخليج نفسها في صراع طويل يستهلك مواردها العسكرية ويؤدي إلى استنزاف شديد في قواتها، بينما تستمر إيران في استغلال الوقت لتقوية دفاعاتها وتحشيد قواتها.
4- التأثيرات السلبية على الاقتصاد والاستقرار الداخلي:
دول الخليج تعتمد بشكل رئيسي على اقتصاد النفط، وأي تصعيد عسكري في المنطقة سيؤثر بشكل مباشر على صادرات النفط وأسواق الطاقة العالمية. ومن المعروف أن إيران لا تتردد في تهديد الممرات المائية في الخليج، مثل مضيق هرمز، الذي يعد من أهم الممرات المائية في العالم لنقل النفط. أي تعطيل لهذه الممرات سيؤدي إلى زيادات في أسعار النفط ويضع استقرار الاقتصاد الخليجي في خطر.
علاوة على ذلك، فإن اندلاع حرب في المنطقة قد يؤدي إلى موجات نزوح جماعي للاجئين ويزيد من تعقيد الأوضاع الداخلية في دول الخليج، التي قد تواجه تحديات في إدارة هذه الأزمات الإنسانية. كما أن أي حرب قد تزيد من التوترات الطائفية والإثنية داخل بعض دول الخليج، مما يهدد استقرارها الداخلي.
5- عدم الرغبة في الانخراط في حرب استنزاف تحل محل أمريكا:
الدول الخليجية، على الرغم من علاقتها الوثيقة مع الولايات المتحدة، لا ترغب في أن تكون البديل العسكري لما تعتبره “حربًا أمريكية” ضد إيران. تدخل هذه الدول في حرب مع إيران قد يعني أن الولايات المتحدة ستتحفظ عن لعب دور مباشر، ما يجعل دول الخليج تصبح البديل في عملية استنزاف مستمرة. الدول الخليجية تعلم تمامًا أن إيران قد تفضل حربًا طويلة الأمد لأنها ستستنزف قدرات الدول الخليجية وتستنزف مواردها العسكرية، مما يؤدي إلى تقوية مواقفها الإقليمية.
هذه الدول تفضل توجيه استثماراتها في الجوانب الاقتصادية والتنموية، بدلاً من الدخول في صراعات طويلة لا تخدم استقرار المنطقة. كما أن تزايد الصراع العسكري يعني أن دول الخليج ستفقد السيطرة على الملفات الاقتصادية والعسكرية التي تهمها في المستقبل.
6- الرغبة في الحفاظ على استقرار المنطقة من خلال المفاوضات:
بعيدًا عن الخيار العسكري، تؤمن دول الخليج بأهمية الحفاظ على الاستقرار الإقليمي من خلال المفاوضات. تفضل دول الخليج الجلوس على طاولة المفاوضات والعمل مع القوى الإقليمية والدولية الكبرى من أجل وقف التصعيد الإيراني. تعتبر دول الخليج أن التفاوض أفضل طريق للحفاظ على توازن القوى في المنطقة وضمان استقرارها الاقتصادي والسياسي، بدلاً من الانغماس في صراع غير محسوب العواقب.
من خلال الحوار، يمكن للسلطات الخليجية إيجاد حلول مشتركة مع إيران والدول الغربية للتعامل مع التهديدات الإقليمية، خصوصًا في ظل الضغوطات التي تشهدها المنطقة جراء النزاعات المستمرة.
إذن، الدول الخليجية، رغم امتلاكها قدرات عسكرية متفوقة، تبتعد عن الانخراط في الحرب مع إيران بسبب عدة أسباب رئيسية. أولها، عدم وضوح الموقف الأمريكي الذي يجعلها غير متأكدة من الدعم الكامل. ثانيًا، عدم رغبتها في الانخراط في صراع قد تديره إسرائيل، ما يضعها في موقف محرج على الصعيد الإقليمي والدولي. ثالثًا، خوفها من الانزلاق في حرب استنزاف طويلة الأمد قد تهدد استقرارها الاقتصادي والعسكري. وفي النهاية، تفضل دول الخليج استثمار جهودها في استراتيجيات الحوار والمفاوضات لحل الخلافات الإقليمية بدلًا من التصعيد العسكري الذي قد يضع أمنها ومصالحها على المحك.


