جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
نجح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فيما عجزت عنه سنوات من التحذيرات من باريس وبروكسل في إقناع الدول الأوروبية المتمسكة باقتصاد السوق الحر بأن الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية يُعد نقطة ضعف. بتهديداته لغرينلاند، وفرضه عقوبات على مسؤولين دوليين، واستعداده لاستخدام اعتماد أوروبا على الشركات الأمريكية كسلاح، قضى الرئيس الأمريكي على آخر معاقل المقاومة أمام المساعي الفرنسية الرامية إلى دعم شركات التكنولوجيا الأوروبية على حساب البدائل الأمريكية.
حزمة “السيادة التكنولوجية” الأوروبية
من المقرر في الثالث من يونيو من العام 2026 أن تكشف المفوضية الأوروبية عن حزمة “السيادة التكنولوجية” التي تهدف إلى تقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية. وبينما تشير المسودات الأولية إلى أن بروكسل ستتجنب فرض قطيعة تامة مع التكنولوجيا الأجنبية، إلا أن الزخم الذي يدفع نحو الاستقلال الرقمي بات من المستحيل تجاهله.
يقول سيباستيانو توفاليتي، الأمين العام لتحالف الشركات الصغيرة والمتوسطة الرقمية الأوروبية، وهي جماعة ضغط تسعى إلى تعزيز البدائل لشركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة: “أدرك الناس أخيرًا أنه لا يوجد ما هو أقوى من التكنولوجيا”. وأضاف توفاليتي: “إنها ليست مجرد سلعة، بل هي وسيلة لممارسة النفوذ والتأثير، ولذلك يجب أن تمتلك أوروبا أدواتها الخاصة”.
تُمثل هذه الحزمة تتويجًا لتزايد القلق إزاء اعتماد القارة على التكنولوجيا الأمريكية، التي تُشكل أساس كل شيء بدءًا من التواصل عبر البريد الإلكتروني، وتخزين ومعالجة البيانات العامة والخاصة، والعديد من الأدوات التي تُشغل الخدمات الحكومية.
قبل بضع سنوات فقط، عرقلت مقاومة دول مثل هولندا والدنمارك مسعىً قادته فرنسا لإبعاد بيانات الاتحاد الأوروبي الأكثر حساسية عن الخوادم الأمريكية. وانتقد معارضون هذا المسعى ووصفوه بأنه حماية مُقنّعة قد تأتي بنتائج عكسية وتضر بالاقتصاد الأوروبي.
كان أول جرس إنذار من الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، الذي مرر قوانين تقيد تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي إلى بعض الدول الأوروبية قبل أيام فقط من مغادرته منصبه، كما ذكر بارت غروثويس، العضو الهولندي في البرلمان الأوروبي، والذي اعترف بتراجعه المفاجئ عن معارضته السابقة للابتعاد عن التكنولوجيا الأمريكية. يقول غروثويس: “كان ذلك مؤشرًا واضحًا على أن حليفنا العظيم كان ينوي استعمارنا، وأننا يجب أن نعتمد كليًا على الذكاء الاصطناعي الأمريكي”.
مخاطر الاعتماد على البنية التحتية الرقمية الأمريكية
كشفت العقوبات التي فرضتها إدارته على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية ردًا على إصدار مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بتهمة ارتكاب جرائم حرب مزعومة في غزة عن خطورة الاعتماد على البنية التحتية الرقمية الأمريكية.
تم قطع وصول كبار مسؤولي المحكمة إلى أنظمة الدفع الأمريكية واسعة الانتشار مثل فيزا وماستركارد، بالإضافة إلى خدمات مثل أمازون وإير بي إن بي وبوكينج دوت كوم. أكد غروثويس: “أعيش على بُعد كيلومترات قليلة من المحكمة الجنائية الدولية. لقد كانت صدمة كبيرة”.
لكن تهديدات ترامب بضم غرينلاند وهي منطقة تتمتع بالحكم الذاتي داخل مملكة الدنمارك هي التي رسّخت المخاوف حتى لدى أقوى حلفاء أمريكا. أكد مسؤول دنماركي، طلب عدم الكشف عن هويته للتحدث بصراحة بينما يجري السياسيون في البلاد محادثات لتشكيل الحكومة: “كنا في السابق من أكثر الدول الأعضاء نضالًا للحفاظ على سوق الحوسبة السحابية مفتوحًا”.
تابع المسؤول الدنماركي: “ما زلنا كذلك، لكن العالم تغير للأسف، وقد عدّلنا موقفنا تبعًا لذلك. ولا شك أن الوضع في غرينلاند قد سرّع الأمور”.
يعكس التغيير في كوبنهاغن تحولًا أوسع نطاقًا في أوروبا. فما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه محاولة فرنسية لتوجيه السوق نحو الموردين الأوروبيين، يُنظر إليه الآن بشكل متزايد من منظور الأمن والنفوذ والمخاطر الجيوسياسية.
يقول زاك مايرز، مدير الأبحاث في مركز الأبحاث CERRE: “لا يوجد مصدر حقيقي آخر للمشكلة سوى ترامب، وعدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته، وتهديداته، واستعداده لاستغلال اعتماد أوروبا على الشركات الأمريكية كسلاح”. ويضيف: “تبدو الولايات المتحدة شريكًا أكثر خطورة، والشركات المعنية، إلى حد ما، ستخضع لأهواء الرئيس”.
وفي سؤال حول هل يمكن لأوروبا أن تشكر ترامب على جعل مخاطر التبعية التكنولوجية أمرًا لا يمكن تجاهله؟ أجاب النائب الهولندي غروثويس: “بلا شك”.
تعزيز بدائل المصادر المفتوحة، وتحفيز تصنيع الرقائق الإلكترونية
لكن هذه الحزمة تكشف كذلك عن حدود الإجماع الأوروبي الجديد. بينما تتفق الحكومات بشكل متزايد على أن الاعتماد الاستراتيجي يشكل خطرًا، إلا أنها لا تزال منقسمة حول الحل الأمثل. فبدلًا من فرض قطع العلاقات مع الموردين الأمريكيين، تشير مسودات إلى أن المفوضية ستركز على حشد المستثمرين من القطاع الخاص، وتعزيز بدائل المصادر المفتوحة، وتحفيز تصنيع رقائق الكمبيوتر محليًا.
بموجب المقترح، الذي سيُحال إلى الحكومات الوطنية والبرلمان الأوروبي للتفاوض، ستُلزم المفوضية الحكومات بتقييم نقاط الضعف المحتملة. كما ستتمتع بصلاحية البتّ في مدى إمكانية الوثوق بدولة ما، كالولايات المتحدة، لتزويد القطاعات الأكثر حساسية في الاقتصاد الأوروبي بالتكنولوجيا، وفقًا لما أفاد به شخصان مطلعان على آخر التفاصيل.
السيادة التكنولوجية لا تزال قائمة على الانفتاح والشراكة والمنافسة
ستُترك للحكومات الوطنية حرية تحديد كيفية حماية نفسها من نقاط الضعف الخارجية، ما يُلزمها بموازنة مخاطر استعداء واشنطن. وقد توخّت المفوضية الحذر في تعاملها مع إدارة ترامب، وحرصت على عدم إفشال اتفاقية تجارية مُوقّعة حديثًا ساهمت في تجنّب أسوأ آثار الرسوم الجمركية التي هدد بها الرئيس الأمريكي.
ستحرص المفوضية، عند الكشف عن حزمة سيادة التكنولوجيا، على عدم الظهور بمظهر من يستهدف الشركات الأمريكية تحديدًا. بحسب مسودة أولية من المقرر أن تُعلن المفوضية الأوروبية، عند كشفها عن حزمة مقترحاتها، أن “السيادة التكنولوجية لا تزال قائمة على الانفتاح والشراكة والمنافسة العادلة، ولا تعني العزلة أو الحمائية أو الانفصال التكنولوجي”.
انضمام الاتحاد الأوروبي إلى تحالف “باكس سيليكا”
يتجلى هذا التردد في إجراءات أخرى تتخذها المفوضية. فبينما تستعد بروكسل لإعلان استقلالها التكنولوجي، تقترح المفوضية انضمام الاتحاد الأوروبي إلى “باكس سيليكا”، وهو تحالف جديد تقوده الولايات المتحدة ويهدف إلى تأمين سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي، وذلك وفقًا لوثيقة تحضيرية غير مؤرخة لاجتماع سفراء الاتحاد الأوروبي في الثالث من يونيو من العام 2026. ربما يكون ترامب قد أعطى زخمًا لتوجه أوروبا نحو السيادة التكنولوجية، ولكنه في الوقت نفسه منح بروكسل كل مبرر للتريث والحذر.


