الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

ما وراء الاتفاق الثلاثي: هل تدور المعركة حول وقف الحرب أم حول مستقبل لبنان؟

جريدة الحرة بيروت

بقلم د. محمد حلاوي

الدكتور محمد حلاويفي الشرق الأوسط، لا تُقاس أهمية الاتفاقات بما يُكتب في بنودها فحسب، بل بما تكشفه من موازين القوى والتحولات السياسية التي تختبئ خلف النصوص. ومن هذه الزاوية، يبدو الاتفاق الذي أُعلن بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية أكبر بكثير من كونه مجرد تفاهم لوقف إطلاق النار أو ترتيبات أمنية مؤقتة على الحدود الجنوبية.

فالقراءة المتأنية للمواقف التي أعقبت الإعلان عنه، سواء من الدولة اللبنانية أو من حزب الله أو من إسرائيل والولايات المتحدة، تكشف أن جوهر الصراع لم يعد يدور حول توقيت وقف النار أو آلية انتشار الجيش اللبناني، بل حول سؤال أكثر عمقًا وخطورة: أي لبنان سيخرج من هذه الحرب؟

اولاً: المواقف

منذ الساعات الأولى للإعلان عن الاتفاق، حرصت الدولة اللبنانية على تقديمه بوصفه فرصة أخيرة لإنهاء حرب مدمرة دفعت البلاد أثمانًا باهظة نتيجة لها. الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام قدّما التفاوض باعتباره الطريق الأسرع والأقل كلفة لاستعادة الجنوب وعودة السكان وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، مع التشديد على أن انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني ليس استجابة لشروط خارجية، بل تنفيذ لالتزامات سبق أن تعهد بها لبنان بموجب القرار 1701.
كما شدد الرئيس عون على تحمل المسؤولية لاي طرف ليس لديه قبول لهذا الاتفاق.

غير أن الخطاب الرسمي اللبناني حمل بين سطوره ما هو أبعد من وقف الحرب. فقد بدا واضحًا أن السلطة الحالية تنظر إلى اللحظة الراهنة باعتبارها فرصة لإعادة تكريس الدولة باعتبارها المرجعية الأمنية الوحيدة على الأراضي اللبنانية، واستعادة ما تعتبره احتكارًا مشروعًا للقوة والسلاح. ولهذا لم يكن عابرًا أن يتكرر الحديث عن ضرورة العمل تحت سقف الدولة، وعن مسؤولية كل الأطراف في تغليب المصلحة الوطنية على أي اعتبارات خارجية أو فئوية.

في المقابل، جاء موقف حزب الله ليعكس رؤية مختلفة تمامًا لطبيعة المعركة ولطبيعة الاتفاق نفسه. فالحزب لا يرى في ما جرى تفاوضًا لإنهاء العدوان، بل يعتبره محاولة لفرض نتائج سياسية لم تستطع إسرائيل تحقيقها عسكريًا. ولذلك رفض الاتفاق من أساسه، واعتبر أن جعله مدخلًا لنزع سلاح المقاومة أو إبعادها عن جنوب الليطاني يعني عمليًا تحقيق أهداف إسرائيل بالحوار بعد عجزها عن تحقيقها بالحرب.

الأهم من ذلك أن خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم لم يكتفِ برفض الاتفاق، بل أعاد التأكيد بصورة واضحة على الارتباط السياسي والفكري مع إيران، في لحظة يبدو فيها أن واشنطن وتل أبيب تحاولان إخراج طهران من المعادلة اللبنانية. فبينما تتحدث الدولة اللبنانية عن تفاوض بين حكومتين ذواتي سيادة، يتحدث الحزب عن محور مقاومة لا يمكن فصله عن سياقه الإقليمي.

وهنا تحديدًا تظهر العقدة الأساسية.

فالولايات المتحدة وإسرائيل تنظران إلى الاتفاق بوصفه بداية مسار جديد في لبنان، يقوم على حصر القرار الأمني والعسكري بالدولة اللبنانية وصولاًلاتفاق سلام شامل، وإبعاد أي دور عسكري مستقل عنها. أما حزب الله فيرى أن هذا المسار ليس سوى محاولة لإعادة صياغة التوازنات الداخلية اللبنانية بما يؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاء دوره العسكري والسياسي الذي تشكل خلال العقود الماضية.

أما إسرائيل، فقد بدت أقل اهتمامًا بتسويق الاتفاق بوصفه وقفًا لإطلاق النار، وأكثر اهتمامًا بتقديمه باعتباره خطوة نحو واقع أمني جديد. فالتصريحات الصادرة عن المسؤولين الإسرائيليين – وزير الدفاع يسرائيل كاتس-ركزت على ضرورة نزع سلاح حزب الله جنوب الليطاني، ومنع إعادة بناء بنيته العسكرية، والحفاظ على حرية العمل العسكري عند الضرورة. وهذا ما يفسر حجم الشكوك التي أثارها الاتفاق داخل لبنان، لأن أي وقف لإطلاق النار لا يتضمن ضمانات واضحة ومتكافئة لجميع الأطراف يبقى عرضة للانهيار منذ اللحظة الأولى.

هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل الاتفاق قابل فعلًا للتنفيذ؟

الجواب ليس بسيطًا.

فمن الناحية النظرية، تمتلك الولايات المتحدة القدرة على ممارسة ضغوط كبيرة على الطرفين اللبناني والإسرائيلي لإنجاح الاتفاق، كما أن حجم الدمار الذي خلفته الحرب يجعل معظم القوى اللبنانية تدرك الحاجة إلى وقفها. إلا أن المشكلة تكمن في أن كل طرف يقرأ الاتفاق من زاوية مختلفة تمامًا عن الآخر.

1- الدولة اللبنانية ترى فيه فرصة لإعادة بناء السلطة واستعادة القرار.

2- إسرائيل تراه فرصة لتغيير الواقع الأمني الذي ساد منذ عام 2006.

3- أما حزب الله فيراه محاولة لتغيير هوية لبنان السياسية والاستراتيجية تحت ضغط الحرب.

ولهذا السبب بالذات، قد لا يكون التحدي الحقيقي هو توقيع الاتفاق أو الإعلان عنه، بل القدرة على تفسيره بطريقة واحدة يقبل بها الجميع.

ثانياً: السيناريوهات

أمام هذا المشهد المعقد، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الاتفاق ومستقبل لبنان في المرحلة المقبلة.

السيناريو الأول يتمثل في نجاح الاتفاق في تثبيت تهدئة طويلة الأمد، بدعم أميركي ودولي وإقليمي، مع تمكن الدولة اللبنانية من تعزيز حضورها الأمني والعسكري في الجنوب ضمن تفاهمات داخلية تقلل من احتمالات الصدام. وفي هذه الحالة، قد يشكل الاتفاق نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر استقرارًا تسمح بإعادة الإعمار واستعادة جزء من الثقة بالمؤسسات الرسمية.

السيناريو الثاني، فيقوم على استمرار الخلاف حول تفسير الاتفاق وآليات تطبيقه. فبينما تسعى الدولة اللبنانية وإسرائيل إلى فرض قراءة معينة لبنوده، يتمسك حزب الله بقراءة مختلفة تعتبر أن الاتفاق لا يغير من طبيعة دوره أو موقعه. وفي ظل هذا التباين، قد يشهد الجنوب فترات من الهدوء تتخللها توترات أمنية متكررة، ما يجعل الاتفاق قائمًا شكليًا لكنه هش عمليًا.

السيناريو الثالث، وهو الأكثر تعقيدًا وتأثيرًا، يتمثل في تحول الاتفاق إلى مدخل لإعادة رسم التوازنات السياسية الداخلية في لبنان. ففي هذه الحالة، لن يقتصر النقاش على الأمن والحدود، بل سيمتد إلى قضايا أعمق تتعلق بدور الدولة، ومستقبل سلاح حزب الله، وطبيعة العلاقة مع المحاور الإقليمية. وقد يفتح ذلك الباب أمام مرحلة سياسية جديدة تحمل فرصًا للتغيير، لكنها في الوقت نفسه قد تثير انقسامات داخلية حادة.

خلاصة القول، لا يبدو أن الحرب الحالية تدور فقط حول الحدود أو الصواريخ أو الانتشار العسكري. فالمواجهة الحقيقية تدور حول شكل النظام اللبناني الذي سيولد بعد انتهاء الحرب. هل يستمر النموذج الذي قام طوال السنوات الماضية على معادلة “الدولة والمقاومة”؟ أم أن الحرب ستفتح الباب أمام انتقال تدريجي نحو نموذج تكون فيه الدولة وحدها صاحبة القرار الأمني والعسكري؟
وهذا ما ستجاوب عنه المفاوضات.

وفي المحصلة، يبدو أن الاتفاق ليس نهاية الصراع بقدر ما هو بداية مرحلة جديدة من التنافس السياسي حول شكل الدولة اللبنانية وموقعها في الإقليم. فنجاحه أو فشله لن يُقاس فقط بمدى صموده أمنيًا، بل بقدرته على توفير أرضية لتفاهم داخلي يوازن بين متطلبات السيادة والاستقرار من جهة، وتعقيدات الواقع السياسي والإقليمي من جهة أخرى. ومن دون هذا التوافق، قد يبقى وقف إطلاق النار مجرد هدنة مؤقتة في نزاع أعمق يتعلق بمستقبل لبنان نفسه.

https://hura7.com/?p=79880

الأكثر قراءة