داود رمال
جريدة الحرة ـ بيروت
في زمن يئن فيه العالم تحت وطأة الفقر والحروب والتفاوت الطبقي والظلم الاجتماعي، برزت حبرية البابا فرنسيس كواحة روحانية تستقي من بساطة الإنجيل أكثر مما تستعرض رمزية السلطة البابوية. لم يكن اختيار البابا الراحل فرنسيس لحذائه الأسود العادي مجرد تفصيل شكلي أو خيار شخصي، بل كان اختصاراً لمسار لاهوتي وإنساني عميق، ومسلكاً عملياً يعبّر عن الالتصاق الصادق بالفقراء والمهمشين، ويعيد تشكيل صورة البابوية، لا ككرسي مجيد بل كخدمة متواضعة تغتسل بتراب الأرض وعرق الناس وآلامهم.
بدأت القصة من الأرجنتين، حيث كان خورخي ماريو برغوليو، قبل أن يُصبح البابا فرنسيس، يتنقل بين أحياء الفقراء، يصلي معهم، يعيش بينهم، ويتألم لأوجاعهم. لم يكن يرتدي ما يميّزه عنهم، ولم يكن يتكلف في ملبسه أو مأكله، بل ارتضى أن يشاركهم الحياة اليومية، بملابس متواضعة، وبحذاء أسود مهترئ رافقه حتى إلى الكرسي الرسولي. هو ذاته الحذاء الذي انتعله حين انتُخب كاردينالاً، ثم حين أُعلن اسمه حبراً أعظم في 13 آذار 2013، ورافقه خلال حبريته، وأوصى بأن يُدفن به عند رحيله. هكذا رفض الحذاء الأحمر الغامق الذي ارتداه أسلافه، وكذلك المعطف الأحمر الفخم الذي كان يُلبس للبابا في الشتاء فوق ثوبه الأبيض، مفضلاً معطفاً أبيض بسيطاً، لا يُميّزه عن رجل الشارع إلا بهالة الخدمة والتواضع.
هذا الموقف لم يكن وليد لحظة، بل هو امتداد لمسار إصلاحي بدأ مع البابا يوحنا بولس الثاني، الذي كسر جزءاً من الشكليات التاريخية، فألغى الكرسي الذي كان يُحمل عليه البابا في القداديس، والذي كان آخر من جلس عليه هو البابا بولس السادس. كما تخلى يوحنا بولس الثاني تدريجياً عن الحذاء الأحمر، في رسالة بليغة مفادها أن رمزية الحبر الأعظم ليست في الملبس أو البروتوكول بل في الوجود إلى جانب الشعوب، في المعاناة، في العطاء، في الصلاة من أجل المهمشين، وفي التصدي للظلم بوجه مكشوف.
البابا فرنسيس رفع هذه الرسالة إلى ذروة الإنجيل العملي. لم يكتف بالرمزية، بل ذهب إلى الفعل اليومي: فتح أبواب الفاتيكان للمشردين، أنشأ جناحاً خاصاً لإيوائهم، مع مستوصف يقدم لهم الطبابة مجاناً، لا سيما في ليالي الشتاء القاسية، بعد أن مات كثيرون منهم برداً في شوارع روما. لم يكن يفعل ذلك فقط باسم الفاتيكان، بل كان يعطيهم من ذاته، وقدّم حذاءه أكثر من مرة لمن كان بحاجة إليه. في عزّ وباء كورونا، لم يختبئ خلف جدران الأسوار، بل أطلق نداءات الرحمة، وبادر إلى مساعدة من لا صوت لهم.
وقد رافقته طيلة حبرتيه العبارة الشهيرة: “اذهبوا إلى الضواحي الجغرافية والوجودية”. لم تكن هذه دعوة بلاغية بل فعلاً مستمراً، إذ خرج البابا أكثر من مرة من الفاتيكان بسيارة عادية ليصل إلى أحياء الفقر، يُطعم الأطفال، ويعانق العجزة، ويبارك المرضى. لم يرَ نفسه سيداً، بل خادماً للإنسانية باسم المسيح الذي غسل أقدام التلاميذ، وجال يصنع خيراً في شوارع الجليل.
ومن بين الشهادات المذهلة التي تكشف عمق هذه البساطة، قصة الراهبة الفرنسية التي تعمل في الكرسي الرسولي، والتي كانت تحضر إلى عملها على دراجة هوائية، وتعيش في “كرافان” متنقل مع راهبات أخريات في أحياء روما الفقيرة. أعجب بصلابتها وإصرارها وخدمتها البابا، وكان يطلب منها أن تقرأ الترجمة الفرنسية في صلوات الأربعاء. وعندما لاحظ أنها باتت تأتي سيراً على الأقدام، سألها فأخبرته أن دراجتها تعطلت، وأنها لا تملك مالاً لإصلاحها، وتفضل إعطاء المال للفقراء بدلاً من شراء واحدة جديدة. أراد أن يساعدها، فطلب منها التوجه إلى قسم الشؤون المالية لأخذ المبلغ، لكنها لم تفعل. وكان يذكّرها بالأمر، حتى قبيل دخوله المستشفى في 14 شباط الماضي، لكنها كانت تفضل أن تبقى على عهد البساطة، وأن تشارك البابا فرنسيس فقره الإنجيلي.
ولم تكن هذه المواقف رمزية فقط، ففي أعقاب انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، تبرع البابا فرنسيس بمبلغ مهم من المال لدعم طلاب الجامعات في لبنان الذين لم يعد بإمكانهم إكمال دراستهم. أرسل المبلغ إلى السفارة البابوية، وأوصى أن يُصرف مباشرة لهم، كأنما يقول إن المساعدة يجب أن تصل إلى المحتاجين لا أن تضيع في دهاليز الروتين.
إن حذاء البابا فرنسيس هو أكثر من قطعة جلد بالية. إنه شهادة حياة، ومنهج حبري قائم على العيش مع الفقراء، لا فوقهم. هو صرخة بوجه القيادات الزمنية التي غرقت في الترف، وبوجه بعض القيادات الروحية التي تحولت عماماتها وقلنسواتها إلى رموز للسلطة لا للمحبة. لقد سار البابا بهذا الحذاء إلى الأحياء الفقيرة، وإلى قاعات المجامع، وإلى القبر. لم يبدله لأنه لم يبدل مبادئه. لم يسعَ إلى صورة بل إلى جوهر. لم يطلب المجد، بل رضى الله من خلال وجوه المهمشين.
وفي مقارنة صارخة بين حذائه وسلوك العديد من الزعماء في العالم، نجد الفجوة الهائلة: أولئك يبنون قصوراً ويتنقلون بطائرات خاصة ويرتدون الساعات الباهظة والأحذية اللامعة، بينما الفقراء ينامون على الأرصفة. البابا، الذي حمل إنجيل المحبة في كفه اليمنى، حمل في اليسرى حذاءً تعب معه في الشوارع، ورفيقه حتى في وداعه الأبدي.
فمتى تتعلمون من حذاء البابا فرنسيس؟ متى يدرك القادة، الزمنيون منهم والروحيون، أن العظمة لا تُقاس بالبذخ بل بالتواضع؟ أن السلطة ليست في البروتوكول بل في الخدمة؟ أن الأحذية التي تسير في شوارع الفقر أشرف من الكراسي المخملية؟ وأن الحبر الأعظم، كان عظيماً لأنه عاش صغيراً بين الصغار، لا كبيراً عليهم؟
حذاء البابا، وصية حيّة، وشهادة صارخة تقول: القداسة تبدأ من الحذاء… حين تمشي به إلى الفقراء.


