الأكثر قراءة

متى ستنتهي الموجة الثانية من التوتر في سوق الوقود الروسي؟

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

يشهد سوق الوقود الروسي موجة ثانية من التوتر، ترافقت مع ظهور طوابير طويلة أمام محطات الوقود، وفقًا للحكومة والسلطات المحلية. إلا أن هذه الموجة تختلف عن الموجة الأولى؛ فمن جهة، يرتفع الطلب على البنزين عادةً خلال شهر أغسطس/آب 2026، ومن جهة أخرى، لا تبدو هناك حاجة هذه المرة إلى التسرع في اتخاذ إجراءات جديدة لدعم السوق وتحقيق استقراره، في ظل استمرار الإجراءات التي سبق اتخاذها وفعاليتها في التعامل مع الأزمة. ويبقى السؤال المطروح: ما الذي سيساعد على تحسين الوضع، ومتى يمكن أن يتحسن سوق الوقود؟

لقد أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي، ألكسندر نوفاك، عن دخول سوق الوقود الروسية في موجة ثانية من التوتر، وقال إن الحكومة تراقب الوضع باستمرار وتتواصل يوميًا مع الشركات والمناطق، بحثًا عن المجالات التي تتطلب إعادة توجيه إضافية، مشيرًا إلى أن المرحلة الثانية مما يُعرف بـ«الوضع المتوتر» في السوق بدأت تتكشف.

من جانبه، أكد وزير الطاقة الروسي، سيرغي تسيفيليف، وجود طوابير طويلة أمام محطات الوقود في روسيا. ومع ذلك، تتوقع الحكومة تحسنًا ملحوظًا في الوضع خلال الفترة المقبلة، ولا سيما مع قرب انتهاء أعمال الصيانة في عدد من مصافي النفط، الأمر الذي من شأنه أن يسهم في زيادة المعروض من الوقود في السوق.

الإجراءات المتخذة خلال الموجة الأولى

خلال الموجة الأولى من التوترات، اتخذت السلطات الروسية مجموعة من الإجراءات التي لا تزال سارية. ومن أبرزها حظر تصدير البنزين والديزل، والسماح بإنتاج بنزين بمعيار بيئي أقل من معيار يورو 5، فضلًا عن السماح باستيراد البنزين ليس فقط من الدول المجاورة، ولا سيما بيلاروسيا، وإنما أيضًا من دول أبعد.

لقد بيعت هذا الأسبوع ولأول مرة شحنة من بنزين AI-92 المستورد في بورصة سانت بطرسبرغ. وقد شُحنت هذه الكمية من محطة كولا للسكك الحديدية في منطقة مورمانسك، وبلغ حجمها 360 طنًا بسعر 105 آلاف روبل للطن.

كيف تختلف الموجة الثانية عن الأولى؟

تختلف الموجة الثانية من التوترات عن الموجة السابقة التي شهدها السوق في أواخر يونيو/حزيران وأوائل يوليو/تموز، إذ إن استهلاك البنزين أصبح أعلى الآن. ويشهد شهر أغسطس/آب عادةً ذروة في استهلاك الوقود، الأمر الذي يجعل الوضع أكثر صعوبة. يحاول الخبراء تحديد وقت انتهاء أزمة الوقود في السوق الروسية، لكن لا أحد يعرف كيف هي مستويات التكرير الآن مقارنةً بالموجة الأولى.

فالموجة الأولى كانت مرتبطة بالأسعار، في حين ترتبط الموجة الثانية بالإمدادات. ففي يونيو/حزيران كانت الأسعار ترتفع، وكان الوقود متوفرًا، أما الآن فقد كان متوسط سعر التجزئة في أوائل أغسطس/آب يحوم حول 76 روبلًا للتر الواحد، بل وانخفض، في حين عادت طوابير الانتظار. وبذلك لم يعد السعر هو المؤشر الأساسي، إذ تحول النقص من مشكلة مرتبطة بالسعر إلى مشكلة مرتبطة بناقلات الوقود.

فإن القيود المفروضة على الأسعار، وحالات التجميد، ولوائح الصرف تؤثر في الأسعار، لكنها لا تؤثر في الخدمات اللوجستية. ويضيف أن الفرق الثاني يكمن في حجم السوق، إذ انخفض حجم التكرير في أغسطس/آب بنسبة 5% مقارنة بيوليو/تموز.

فعالية الإجراءات الحالية

ويشير تقرير الطاقة الروسي إلى أنه لا حاجة إلى اتخاذ تدابير ارتجالية، مثل تخفيض متطلبات جودة الوقود وزيادة الواردات من الدول المجاورة والبعيدة، لأن هذه الإجراءات موجودة بالفعل، وهي نظريًا فعالة. فثلاثة تدابير أثبتت نجاحها، وأسهمت جميعها في زيادة حجم التكرير، وهي حظر التصدير، والشحنات البيلاروسية، واعتماد معيار يورو 3، في حين لا تزال الواردات في مرحلة تجريبية. ويُشار إلى أن 360 طنًا تعادل تقريبًا استهلاك البلاد لخمس دقائق، لأن السوق المحلية تستهلك نحو 110 آلاف طن يوميًا خلال فصل الصيف.

آلية الاستيراد وفروقات الأسعار

وفيما يتعلق بآلية التخفيف وفروقات الأسعار في مورمانسك، يشير الخبير إلى أن الآلية تعمل، ولا جدوى من البحث عن مُلام، لأن الأمر يتعلق بحسابات اقتصادية. ويضيف أن الآلية تعمل، لكنها تعاني من اختناق، إذ تُحسب وفقًا للسعر الهندي مضافًا إليه تكلفة الشحن والتأمين ضد مخاطر الحرب، استنادًا إلى سعر اليوم السابق، في حين يجب دفع التكلفة بالسعر الحالي.

فإن تكلفة البديل المستورد، وفقًا لتقديرات القوات الجوية الروسية لشهر يونيو/حزيران، بلغت 112,600 روبل للطن، مع تعويضات تُقدّر بحوالي 50 ألف روبل للطن.  ومن المهم فهم أن هذه الكميات من البنزين لا تُشحن فعليًا من الهند، وإنما من خلال شركة تشارك فيها روسيا. فقد جاءت الشحنة الأولى من شركة نايارا إنرجي الهندية، التي تمتلك شركة روسنفت نسبة 49.13% منها. وتستورد الشركة الروسية الوقود عبر منشأتها الهندية.

ولا يمكن توقع سعر محلي من أي جهة، إذ تقع تكاليف الشحن والتفريغ والتأمين ضد مخاطر الحرب والضرائب المحلية على عاتق المستورد بين فادينار ومورمانسك. وقدّرت السلطات الطلب على الاستيراد بنحو 500 ألف طن، فيما يستغرق وصول الوقود إلى البلاد من أربعة إلى خمسة أيام. والجدير بالذكر أن بدء مبيعات البنزين المستورد عبر البورصة يشير إلى أن الأطراف قد توصلت أخيرًا إلى اتفاق، وأن هذا الوقود سيدخل تدريجيًا إلى السوق المحلية، ولا سيما عبر محطات الوقود المستقلة، وعلى الأرجح في محطات روسنفت.

السماح بإنتاج وقود أقل جودة

ويُوضح خبراء الاقتصاد الروس أن من أهم الإجراءات التي يمكن أن تسهم في إشباع السوق السماح للمصافي بإنتاج وقود بمعايير يورو 2 ويورو 3. فبعض المصافي تضررت وحداتها المسؤولة عن رفع جودة الوقود إلى مستوى يورو 5، لكنها لا تزال قادرة على إنتاج وقود أقل جودة، والأولوية في المرحلة الحالية هي توفير كميات كافية من الوقود.

ومع ظهور طوابير السيارات أمام محطات الوقود، في ظل هذه الظروف المتوترة، يظهر أيضًا عامل نفسي. فالطوابير، بحسب رأيه، هي نتاج لتوقعات الناس، إذ يتوجه المواطنون إلى محطات الوقود للتزود بالوقود قبل نفاده، وهو ما يؤدي تلقائيًا إلى زيادة الضغط، لأن هذا السلوك يدفعهم إلى التزود بالوقود بمعدل أكبر.

متى يتحسن الوضع؟

ويمكن أن تتحسن الأوضاع في المستقبل القريب، حيث وعد نوفاك بإعادة تشغيل العديد من مصافي التكرير بعد انتهاء أعمال الصيانة، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة المعروض. ومن جهة أخرى، ينخفض الطلب على البنزين عادةً ابتداءً من سبتمبر/أيلول، مع تراجع السفر لمسافات طويلة.

وخلال الأسابيع المقبلة، ستشهد بعض المناطق التي تتميز بطرق طويلة ومحطات وقود مستقلة انخفاضًا طفيفًا في الطلب، إلا أن الوضع سيكون أفضل في أكتوبر/تشرين الأول.

وكما أشارت الحكومة، يجري التعامل مع ملف الوقود على المستوى الاتحادي، وكذلك مع كل منطقة روسية على حدة، من أجل اتخاذ قرارات مدروسة تراعي خصوصيات كل منطقة. وتقر الدولة بالصعوبات القائمة، وتعمل على تحسين وضع سوق الوقود بأسرع وقت ممكن.

https://hura7.com/?p=83523

الأكثر قراءة