الأكثر قراءة

مجموعة بريكس :بين طموح إعادة تشكيل النظام العالمي وتباين مواقف أعضائه…

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

دخلت مجموعة بريكس مرحلة جديدة من مسيرتها، بعدما اتسعت عضويتها لتشمل إلى جانب البرازيل وروسيا والهند والصين دولًا مثل مصر وإيران وإثيوبيا وإندونيسيا، في إطار مسعى واضح لتعزيز حضور دول الجنوب في الاقتصاد والسياسة الدوليين.

وتضم المجموعة اقتصادات تمثل نسبة كبيرة من الاقتصاد العالمي، كما تمثل أكثر من 40% من سكان العالم، الأمر الذي يجعلها لاعبًا يصعب تجاهله في النقاش المتعلق بمستقبل النظام الدولي. ومع توسعها، تطرح بريكس نفسها بوصفها إطارًا بديلًا أو مكملًا للمؤسسات التي تشكلت في ظل النظام الاقتصادي العالمي القائم.

لكن هذا التوسع لا يعني بالضرورة وجود رؤية سياسية موحدة بين جميع الأعضاء. فخلف الخطاب المشترك حول إصلاح النظام الدولي، تظهر خلافات عميقة في المصالح والسياسات الخارجية، وهو ما برز بوضوح خلال القمم الأخيرة.

أوكرانيا في خلفية النقاش

كانت الحرب في أوكرانيا حاضرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في أجواء القمة. فقد سعت روسيا إلى التأكيد على رؤيتها للصراع وعلاقاتها مع أوروبا والغرب، بينما أثار مراقبون تساؤلات حول إمكانية أن تتحول أطر مثل بريكس إلى مساحة للنقاش بشأن تسوية الصراع.

غير أن الوصول إلى موقف موحد بدا أمرًا صعبًا. فالدول الأعضاء لا تنظر إلى الحرب بالطريقة نفسها، كما أن علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا تختلف بصورة كبيرة من دولة إلى أخرى.

وفي البيان الختامي، تجنبت المجموعة اتخاذ موقف موحد وحاد بشأن الحرب في أوكرانيا، وهو ما عكس رغبة عدد من الأعضاء في الحفاظ على مساحة للمناورة الدبلوماسية بدلًا من الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الغربية.

إيران تفرض تحديًا على تماسك المجموعة

من أكثر الملفات حساسية داخل بريكس العلاقة بين إيران والولايات المتحدة. فطهران تخوض مواجهة سياسية وأمنية طويلة مع واشنطن، في وقت تحافظ فيه دول أخرى داخل المجموعة، وعلى رأسها الهند والبرازيل، على علاقات أكثر توازنًا مع الولايات المتحدة.

ويضع هذا التباين المجموعة أمام معادلة معقدة: كيف يمكن لبريكس أن تقدم نفسها ككتلة دولية ذات نفوذ، بينما تختلف دولها الأعضاء في تقييم القضايا الأمنية والاستراتيجية الأكثر حساسية؟

الهند، على سبيل المثال، تحاول الحفاظ على علاقاتها مع روسيا من جهة، وتعزيز شراكتها مع الولايات المتحدة والدول الغربية من جهة أخرى. ولذلك تبدو دلهي حريصة على ألا تتحول بريكس إلى تحالف مناهض للغرب، بل إلى منصة تسمح للدول الأعضاء بالدفاع عن مصالحها المختلفة.

الهند بين روسيا والصين والولايات المتحدة

ربما تمثل الهند المثال الأوضح على التناقضات داخل بريكس. فهي عضو أساسي في المجموعة، لكنها في الوقت نفسه تعمل على توسيع تعاونها الاستراتيجي والاقتصادي مع واشنطن وطوكيو.

وترتبط الهند بعلاقة تاريخية مع روسيا، خصوصًا في مجالات الدفاع والطاقة، لكنها تخوض في المقابل منافسة استراتيجية حادة مع الصين. وقد تفاقمت التوترات بين نيودلهي وبكين بعد الاشتباكات الحدودية التي وقعت في منطقة الهيمالايا عام 2020، والتي أسفرت عن سقوط قتلى من الجانبين. ومنذ ذلك الحين، عزز البلدان وجودهما العسكري على الحدود، بما في ذلك نشر قوات ومعدات عسكرية ومدفعية ووسائل دعم جوي. ورغم محاولات التهدئة، بقيت الحدود الهندية الصينية أحد أبرز مصادر التوتر داخل آسيا.

لقاء مودي وشي ومحاولة تخفيف التوتر

في ظل هذه الخلفية، اكتسبت اللقاءات بين رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الصيني شي جين بينغ أهمية خاصة. وبعد سنوات من التوتر، ظهرت مؤشرات على رغبة الطرفين في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ومنع الخلاف الحدودي من التحول إلى صراع أوسع. فالهند والصين تدركان أن التصعيد العسكري ستكون له كلفة اقتصادية وسياسية كبيرة على البلدين.

كما أن العلاقات التجارية بين القوتين الآسيويتين تشكل عاملًا يدفع باتجاه التهدئة. فمع أن الهند تسعى إلى تقليل بعض أوجه اعتمادها الاقتصادي على الصين، فإن حجم التجارة والاستثمارات المتبادلة يجعل القطيعة الكاملة خيارًا مكلفًا. وهنا يظهر أحد المبادئ الأساسية التي تحاول الهند الدفاع عنها داخل بريكس: التعددية بدل الاصطفاف الكامل. فوجود الهند في بريكس لا يعني استعدادها للانضمام إلى مشروع سياسي تقوده بكين أو موسكو ضد الولايات المتحدة.

في النهاية، تبدو العلاقات بين موسكو وبكين أكثر تقاربًا من أي وقت مضى، خصوصًا في ظل المواجهة الروسية مع الغرب والعقوبات المفروضة على روسيا.

وتتقاطع مواقف البلدين في انتقاد الهيمنة الغربية والدعوة إلى نظام دولي أكثر تعددية. كما يسعيان إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والطاقة، بما في ذلك مشروعات استراتيجية لنقل الغاز الروسي إلى الصين. لكن هذا التقارب لا يعني أن جميع أعضاء بريكس يتبنون الرؤية الروسية الصينية نفسها. فالهند والبرازيل، على سبيل المثال، تفضلان الحفاظ على قدر أكبر من الاستقلالية في السياسة الخارجي.

https://hura7.com/?p=84709

الأكثر قراءة