جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

أعادت قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة فتح نقاش واسع داخل أوروبا بشأن مستقبل الأمن الأوروبي وقدرة الحلف على التعامل مع الحرب في أوكرانيا. وبرز خلال القمة ملفان رئيسيان؛ الأول يتعلق بقدرة الناتو، ولا سيما الدول الأوروبية، على مواصلة دعم أوكرانيا عسكرياً في مواجهة الهجمات الروسية المتصاعدة، والثاني يرتبط بمدى استعداد الدول الأوروبية لإعادة بناء قدراتها في مجال الصناعات العسكرية، بما يضمن تعزيز القدرات الدفاعية للحلف وتقليل الاعتماد على الصناعات العسكرية الأمريكية.
بولندا تحت مرمى المخاوف الأمنية
في هذا السياق، برز الموقف البولندي باعتباره من أكثر المواقف تشدداً في الدعوة إلى تعزيز الدور العسكري الأوروبي، انطلاقاً من قناعة وارسو بأنها قد تكون من بين الدول الأكثر عرضة لأي تصعيد مستقبلي مع روسيا.
وأثار رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك اهتماماً واسعاً بعدما أكد صحة تقارير إعلامية استندت إلى مصادر مجهولة، تحدثت عن تحذير أمريكي لبولندا يفيد بأن روسيا تستعد، وفقاً لمعلومات الاستخبارات الأمريكية، لـ”اختبار عزيمة الناتو” في الدفاع عن الدول الأعضاء. وبحسب هذه التقديرات، قد يجري هذا “الاختبار” في المنطقة الشمالية الشرقية للحلف، سواء في بولندا أو دول البلطيق.
وقال توسك إن “الأشهر المقبلة قد تكون حاسمة”، وهي تصريحات يُتوقع أن تحضر بقوة في مناقشات الحلف، مع احتمال أن يقدم مسؤولون من دول البلطيق تقييماً إضافياً لهذه المعلومات.
ووفقاً لما أوردته الصحافة البولندية، فإن السيناريو المفترض قد يتمثل في هجمات بطائرات مسيّرة أو عمليات هجينة تترافق مع إنزال قوات قرب مدينة نارفا، بهدف اختبار مدى استعداد الحلف للرد. وتشير هذه الفرضية إلى أن موسكو قد تراهن على تباين مواقف بعض الدول الأوروبية تجاه مواجهة مباشرة مع روسيا، إضافة إلى النزعة السلمية السائدة في عدد من الدول الأوروبية، وما يوصف بعدم حماس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للانخراط في القضايا الأوروبية.
تباينات داخل الناتو بشأن دعم أوكرانيا
في المقابل، كشفت تصريحات الرئيس السلوفاكي بيتر بيليغريني عن تباين متزايد داخل حلف الناتو بشأن استمرار الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا. وأكد أن عدداً من الدول الأعضاء لم يعد مستعداً للمشاركة في تمويل أو تسليح كييف، رغم استمرار الحرب مع روسيا.
وأوضح بيليغريني أن سلوفاكيا أبلغت الحلف بوضوح أنها لن تقدم مساعدات عسكرية لأوكرانيا، ولن تشارك في تمويل برامج جديدة لتزويدها بالأسلحة. وأضاف أن رئيس الوزراء المجري أكد خلال القمة أن بلاده لن تقدم أي دعم عسكري أو مالي لكييف، كما أشار إلى أن رئيس الوزراء التشيكي وعدداً من رؤساء الحكومات الآخرين أعلنوا رفضهم المشاركة في حزمة المساعدات العسكرية الجديدة المقترحة لأوكرانيا، والبالغة قيمتها 70 مليار يورو.
وأكد الرئيس السلوفاكي أن موقف بلاده لم يكن معزولاً، بل يعكس توجهاً لدى عدد من الدول الأعضاء يرى أن استمرار الدعم العسكري والمالي لكييف لم يعد يحظى بالإجماع داخل الحلف، وهو ما يكشف عن تباينات متزايدة بشأن آليات دعم أوكرانيا خلال المرحلة المقبلة.
روسيا تنفي… والسيناريو يبقى افتراضياً
في المقابل، تؤكد القيادة الروسية أنها لا تعتزم مهاجمة أي دولة عضو في حلف الناتو، كما لا توجد أدلة علنية تؤكد وجود خطة روسية لتنفيذ هجوم هجين ضد الحلف. ويشير الطرح الروسي أيضاً إلى أن الطائرات المسيّرة التي دخلت أجواء بعض دول البلطيق خلال الفترة الماضية كانت أوكرانية وليست روسية، بعدما انحرفت عن أهدافها داخل الأراضي الروسية.
وبذلك، تبقى المعلومات المتداولة قائمة على تقديرات استخباراتية قابلة للصواب أو الخطأ، خصوصاً أن أجهزة الاستخبارات سبق أن قدمت في مناسبات مختلفة تقديرات تبين لاحقاً أنها لم تكن دقيقة، سواء بسبب ضعف المصادر أو سوء التقدير.
الخاتمة
تشير التقديرات إلى أن سيناريو “اختبار صمود الناتو”، إذا وقع، قد يأتي بنتائج عكسية على الجهة التي تبادر إليه، إذ إن أي هجوم على دولة عضو في الحلف قد يؤدي إلى تعزيز تماسك الناتو وزيادة الدعم الغربي لأوكرانيا، بدلاً من دفع الولايات المتحدة وحلفائها إلى تقديم تنازلات لروسيا، كما أنه سيجعل أي مسار تفاوضي أكثر تعقيداً.
وفي المقابل، تكشف النقاشات داخل الحلف أن التحدي لا يقتصر على مواجهة روسيا، بل يشمل أيضاً الحفاظ على وحدة المواقف بين الدول الأعضاء بشأن استمرار الدعم العسكري والمالي لكييف. وبين التحذيرات الغربية من احتمال اختبار جاهزية الحلف، والنفي الروسي المتواصل لوجود نية لمهاجمة دول الناتو، يبقى هذا السيناريو في إطار التقديرات الاستخباراتية التي لم تدعمها حتى الآن أدلة معلنة، في وقت تستمر فيه الخلافات داخل الحلف حول طبيعة المرحلة المقبلة وكيفية إدارة الصراع مع موسكو


