الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

مخاض الاستقرار والرهانات الحرجة في لبنان

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تخوض الدولة اللبنانية في هذه المرحلة الدقيقة اختباراً سياسياً وميدانياً هو الأعقد في تاريخها القريب، حيث تتشابك الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت التهدئة مع التحديات المتزايدة التي تفرضها التطورات على الأرض. ويأتي هذا الحراك في ظل توازنات داخلية دقيقة تتطلب مقاربات حكيمة تتجاوز الأطر التقليدية، وتجعل من تعزيز مؤسسات الدولة الدستورية المرجعية الأساسية لإدارة المرحلة، بعيداً عن السجالات التي قد تعيق التوافق الوطني المطلوب لمواجهة التداعيات الإقليمية والدولية.

على الصعيد الميداني، تظهر المعطيات القائمة فجوة واضحة بين النصوص الدبلوماسية والواقع على الأرض؛ ففي الوقت الذي تبذل فيه المؤسسات الرسمية والمحلية جهوداً حثيثة لإعادة إطلاق خطط التعافي الإنساني، ورفع الركام في الحواضر الكبرى كمدينتي صور والنبطية لتسهيل عودة الحياة الطبيعية، تشهد العديد من القرى والبلدات الحدودية استمراراً للاعتداءات وعمليات الهدم والتمشيط العسكري التي ينفذها العدو الإسرائيلي. هذا السلوك الميداني، الذي يتجاوز حدود التفاهمات المعلنة تحت ذرائع أمنية مختلفة، يفرض أعباءً إضافية على الدولة اللبنانية ويهدد بإفراغ المساعي الدبلوماسية من مضمونها، خاصة مع تعثر آليات الانسحاب التدريجي المقررة من بعض النقاط نتيجة الخلافات حول طبيعة الرقابة والإشراف الميداني.

وفي المشهد السياسي الداخلي، تتبلور قراءات متعددة لكيفية حماية المصلحة الوطنية العليا؛ حيث تنطلق المقاربة الرسمية لطلب التهدئة من ضرورة استعادة الدولة لقرارها الكامل، وفصل المسار المحلي عن النزاعات الإقليمية المحيطة، مع التشديد المطلق على حماية السلم الأهلي ودعم دور المؤسسات العسكرية الرسمية كضامن وحيد للأمن والاستقرار. وفي المقابل، تبرز تحفظات وهواجس سياسية وشعبية واسعة من أن تؤدي الشروط والآليات المقترحة في الاتفاقات الدولية إلى انتقاص من المكتسبات الوطنية، أو فتح المجال أمام تدخلات خارجية تمس بالتوازنات الداخلية، مما يفرض حاجة ملحة إلى حوار وطني شامل يمنع أي انقسام عميق ويوحد الرؤية حول مفهوم الدفاع عن الوطن.

إن التحدي الأساسي الذي يواجه لبنان لا يقتصر على الضغوط الميدانية، بل يمتد إلى المحاولات الخارجية الهادفة إلى استغلال التنوع المجتمعي اللبناني وبث الفرقة؛ وهو ما تجسد في المواقف الحازمة والبيانات الموحدة التي أصدرتها الفعاليات الروحية والبلدية في القرى الجنوبية بمختلف مكوناتها، مؤكدة على الهوية الوطنية الجامعة ورفض أي طروحات تسعى إلى عزل أي مكون عن النسيج اللبناني الأصيل. هذا التماسك يوضح أن الحلول الحقيقية تنبع دائماً من التوافق الداخلي، وليس من الإملاءات أو الرهانات الخارجية التي تتأثر بالتبدلات في مراكز القرار الإقليمي والدولي.

تأسيساً على المشهد الحالي، تبرز ثلاثة مسارات محتملة ترسم ملامح المرحلة المقبلة على المستويين السياسي والميداني:

■ يقوم المسار الأول على نجاح الدبلوماسية اللبنانية في فرض تطبيق صارم ومتوازن للتفاهمات، يجبر العدو الإسرائيلي على الانسحاب الكامل ووقف كافة الخروقات الجوية والبرية، مما يتيح للجيش اللبناني الانتشار الواسع وبسط سلطته بالكامل بدعم وتنسيق محلي، وهو ما سيمهد الطريق لبدء ورشة إعادة إعمار شاملة واستعادة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

■ أما المسار الثاني، فيتمثل في بقاء الوضع السائد ضمن صيغة “الاستنزاف المضبوط”، بحيث تستمر الخلافات حول آليات الرقابة والتنفيذ دون الوصول إلى صيغة نهائية، مما يبقي الجبهة الجنوبية عرضة لضربات واعتداءات متقطعة، ويفرض على الداخل اللبناني حالة من الجمود السياسي والمؤسساتي، تتأخر معها خطط التعافي الشامل دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

■ في حين ينذر المسار الثالث بمخاطر انهيار العملية التفاوضية برمتها جراء تصاعد الشروط الخارجية غير القابلة للتطبيق، مما قد يدفع العدو الإسرائيلي إلى توسيع عملياته العسكرية وتعميق التدمير المنهجي في البلدات الحدودية، وهو ما سيضع التماسك السياسي الداخلي والنسيج الاجتماعي تحت ضغوط استثنائية، تتطلب أعلى مستويات التنسيق والمسؤولية التاريخية لتجنب التداعيات الكارثية.

■ في المحصلة، يبقى الرهان الحقيقي للبنان معلقاً على قدرة قواه السياسية ومكوناته الوطنية على بلورة جبهة داخلية متماسكة وتفاهم مشترك يرتكز على منطق الحوار والتنسيق، فهو السبيل الوحيد لتحصين البلاد وحماية مكتسباتها في مواجهة العواصف الإقليمية.

https://hura7.com/?p=81252

الأكثر قراءة