جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني
تتحول العاصمة الأمريكية واشنطن إلى غرفة عمليات دبلوماسية مكثفة، حيث تسعى الإدارة الحالية جاهدة لانتزاع صيغة “اتفاق إطاري” ينهي جولة المواجهة الراهنة قبل انقضاء المهلة الزمنية المقترحة ليل الجمعة. إن الغوص في تفاصيل هذا المشهد يتجاوز حدود رصد التصعيد الميداني العنيف، ليصل إلى تفكيك موازين القوى الجديدة التي تتبلور في المنطقة الممتدة من مجرى نهر الزهراني وصولاً إلى الحدود الدولية؛ حيث يسابق العدو الإسرائيلي الوقت لفرض واقع جغرافي محروق بالحديد والنار، سعياً وراء تكريس مكاسب ميدانية مسبقة قبل الدخول الفعلي في مدار التهدئة المفترضة.
يتحرك الكباش الدبلوماسي في ربع الساعة الأخير متمركزاً حول صيغة تفاوضية تسعى واشنطن من خلالها إلى تفكيك العقد التنفيذية، وتجاوز الرفض اللبناني القاطع والمطلق لإدراج أي “ملحق أمني” يمنح تل أبيب حرية الحركة العسكرية داخل الأراضي اللبنانية. وتقوم الهندسة الأمريكية البديلة على استبدال هذا الملحق بـ “رسالة ضمانات منفصلة” تصدر كوثيقة أحادية الجانب وتُسلم إلى الجانب الإسرائيلي حصراً، بوصفها التزاماً أمريكياً بحماية أمن الشمال دون أن يوقع عليها لبنان أو تدرج في متن الاتفاق الرسمي المستند إلى القرار ١٧٠١. ويترافق هذا الطرح مع مساعٍ لتوسيع صلاحيات الشريك الأمريكي في لجنة المراقبة الدولية، عبر تمكينه من الإبلاغ الفوري عن أي إحداثيات مشتبه بها، ليكون بمثابة كابح دبلوماسي يحول دون قيام العدوان الإسرائيلي بتحركات عسكرية فردية بذريعة الأمن الوقائي.
على المقلب الآخر، تبرز جهوزية المؤسسة العسكرية اللبنانية كركيزة أساسية لتثبيت الاستقرار؛ إذ وضعت القيادة اللبنانية اللمسات الأخيرة على خطة الانتشار العملياتي فور صدور القرار السياسي بوقف إطلاق النار. وترتكز هذه الخطط على ركيزتين:
أولاهما لوجستية وبشرية تتمثل في تحديد لواءين من مشاة الجيش لنقلهما بآلياتهما الثقيلة نحو المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، وثانيتهما ميدانية قائمة على تقسيم المنطقة الحدودية إلى أربعة مربعات أمنية رئيسية تتولى فيها الوحدات إقامة مراكز مراقبة ثابتة وتسيير دوريات مكثفة لمنع أي ظهور مسلح، مع تحويل مداخل الحواضر والبلدات الساخنة إلى مناطق عسكرية تخضع لسلطة القانون وحدها. غير أن نفاذ هذه الخطة واستدامتها يبقيان مشروطين بتأمين دعم لوجستي دولي مستدام (من وقود ومعدات ومخصصات طارئة) لفترة لا تقل عن ستة أشهر، نظراً لأن المخزون الحالي لا يغطي سوى التحركات الأولية للمؤسسة العسكرية.
في غضون ذلك، تقود رئاسة مجلس النواب جبهة تفاوضية متصلبة تستند إلى ثوابت دستورية حازمة أُبلغت للوسطاء الدوليين؛ حيث يرفض لبنان كلياً أي صيغة تمنح العدو الإسرائيلي “حق التصرف الدفاعي” التلقائي، لكون ذلك يمثل انتقاصاً مباشراً من الكرامة الوطنية وشرعنة مبطنة للعدوان ونسفاً لروح القرار ١٧٠١. ويتمسك الموقف اللبناني بمهلة الـ ٤٨ ساعة كحق حصري للجيش اللبناني للتعامل مع أي خروقات أو مصادرة سلاح بناءً على تقارير لجنة المراقبة، رفضاً لأي تداخل في الصلاحيات السيادية. كما يصر الجانب اللبناني على ربط إقرار التفاهمات بجدول زمني متزامن يضمن انسحاب آليات العدو من نقاط التوغل (لا سيما قلعة الشقيف ومحيط كفرتبنيت) بالتوازي مع تقدم القوى الشرعية.
أمام تعثر التوغلات البرية للعدو الإسرائيلي وفشله في حسم السيطرة على التلال الحاكمة، يتجه سلوكه الميداني والسياسي نحو مسارات ثلاثة محتملة:
▪️︎ أولاً، سيناريو “المقايضة بالنار”: ويتمثل في استمرار سياسة الأرض المحروقة في قرى إقليم التفاح والنبطية لفرض منطقة عازلة بقوة التدمير قبل دخول الهدنة حيز التنفيذ، بغية انتزاع مكاسب جغرافية تخدم موقفه التفاوضي.
▪️︎ ثانياً، سيناريو الابتزاز الأمني: حيث تسعى حكومة نتنياهو إلى استغلال فترة الستين يوماً المقترحة للبقاء في بعض المرتفعات الاستراتيجية، واشتراط الانسحاب الكامل منها بالحصول على تفويض صريح بضرب أي “تهديد وشيك”، وهو ما يهدد بتبديد مفاعيل الاتفاق.
▪️︎ ثالثاً، سيناريو العودة إلى التصعيد الشامل: وهو الرهان الإسرائيلي على تعثر المفاوضات لاستئناف الغارات الجوية الواسعة التي تستهدف العمق اللبناني والضاحية الجنوبية، كمحاولة أخيرة لكسر الإرادة السياسية اللبنانية.
إن معالجة هذه التعقيدات تتطلب أقصى درجات التنسيق والتفاهم الشامل بين مختلف المكونات الوطنية؛ فالعبور نحو الاستقرار الحقيقي يتطلب تحويل التفاهمات الدولية إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء المؤسسات الدستورية وتثبيت سلطة الجيش كضامن وحيد للأمن والأرض، بعيداً عن صراعات المحاور والتحديات الداخلية، وبما يحفظ هيبة الدولة ومستقبل مواطنيها.


