جريدة الحرة
خاص ـ أثار إعلان جماعة الحوثي اليمنية الموالية لإيران عن انخراطها المباشر في الحرب في المنطقة مخاوف كبيرة لدى الاتحاد الأوروبي بشأن تأثير ذلك على عمليته البحرية في البحر الأحمر، المعروفة باسم عملية أسبيدس.
تعتبر هذه العملية جزءا من استراتيجية الاتحاد الأوروبي لضمان حرية الملاحة وتأمين الشحن التجاري في البحر الأحمر وخليج عدن، لكنها لم تُنشأ أبدا لمواجهة صراع إقليمي واسع، وهو ما يثير القلق مع دخول الحوثيين كطرف فاعل بشكل مباشر.
الاتحاد الأوروبي أمام معضلة صعبة
في بيان رسمي صادر عن قيادة العملية خلال مارس 2026، تم التحذير من احتمال استئناف الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن في المستقبل القريب، خصوصا بعد الهجوم الصاروخي الباليستي والطائرة المسيرة التي شنها الحوثيون على إسرائيل خلال مارس من العام 2026.
وأكد البيان أن الاتحاد الأوروبي لم يرفع مستوى قدراته العسكرية، مما قد يؤدي إلى فترات انتظار أطول للسفن التجارية التي تحتاج إلى حماية، ويزيد من الضغط على القوات المشاركة في العملية. تساهم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي المشاركة في عملية أسبيدس بعدد محدود من الفرقاطات البحرية، والتي تعمل على مرافقة السفن التجارية وتأمين مرورها عبر الممرات المائية الحيوية.
وقد أُنشئت العملية في منتصف عام 2024 استجابة لهجمات جماعة الحوثي على السفن التجارية في البحر الأحمر، مع التركيز على حماية التجارة الدولية والحفاظ على حرية الملاحة. ومع ذلك، يثير انخراط الحوثيين مخاوف من أن تتوسع مهمة الاتحاد الأوروبي إلى صراع لم يكن مستعدا للتورط فيه، وهو ما قد يضع التكتل أمام معضلة صعبة.
الاتحاد الأوروبي لا يريد مواجهة مباشرة مع إيران
أكد دبلوماسيان من الاتحاد الأوروبي إن تورط الحوثيين يزيد تعقيد الوضع بالفعل، ويجعل العواصم الأوروبية أكثر حذرا في الالتزام بالعملية. وأشار أحد الدبلوماسيين إلى أن عدم وضوح التصعيد المحتمل قد يؤدي إلى تردد بعض الدول المشاركة في تقديم المزيد من الدعم العسكري، وهو ما قد يضعف فعالية العملية على المدى القريب.
وأضاف: “الوضع أصبح متقلبا للغاية، والتكتل لا يريد أن يجر نفسه إلى مواجهة مباشرة مع إيران أو مع وكلائها الإقليميين”. في المقابل، أعرب مصدر ثالث مطلع على سير العملية عن موقف أكثر حذرا لكنه متفائلا نسبيا، مشيرا إلى أن مشاركة الحوثيين في النزاع لا تغير من الهدف الأساسي للعملية، وهو ضمان حرية الملاحة للسفن التجارية.
وتابع المصدر: “حتى الآن، لم تستهدف السفن الأوروبية بشكل مباشر، ولا يوجد أي مؤشر على أن الوضع سيخرج عن السيطرة ما لم تتخذ جماعة الحوثي خطوات تصعيدية واضحة تجاه مصالح الاتحاد الأوروبي”.
الرد العسكري سيكون محدودا ومحدد الهدف
أكد دبلوماسي آخر من الاتحاد الأوروبي أن العملية ليس لها تفويض للتوسط في النزاع بين الأطراف اليمنية أو في أي صراع إقليمي. وأوضح قائلا: “مهمتنا محددة، وهي حماية مرور السفن التجارية فقط، وليس التدخل في النزاعات السياسية أو العسكرية على الأرض”.
لكن هذا الموقف قد يتغير إذا بدأت جماعة الحوثي في استهداف مصالح أوروبية مباشرة، مما قد يجبر الفرقاطات الأوروبية على اتخاذ ضربات دفاعية، وهو ما قد يؤدي بشكل غير مباشر إلى دخول الاتحاد الأوروبي في مواجهة عسكرية أوسع.
وفي تعليق رسمي، قال متحدث باسم الجناح الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي في 30 مارس 2026 إن انخراط الحوثيين يزيد من “تصعيد المخاطر بالتأكيد”. وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي يراقب الوضع عن كثب، مع التأكيد على أن أي رد عسكري سيكون محدودا ومحدد الهدف، بما يتوافق مع تفويض العملية.
زيادة الدعم اللوجستي والمراقبة الاستخباراتية
وافق قادة الاتحاد الأوروبي في اجتماعهم في 19 مارس من العام 2026 على تعزيز محدود للبعثة، بما يشمل زيادة الدعم اللوجستي والمراقبة الاستخباراتية، لكنهم رفضوا أي توسع في نطاق التفويض ليشمل مضيق هرمز أو مناطق أخرى خارج البحر الأحمر وخليج عدن.
وأوضح عدد من الدبلوماسيين أن توسيع نطاق التفويض لا يزال غير مطروح للنقاش، نظرا لحساسية الموقف العسكري والسياسي، وحرص الاتحاد الأوروبي على تجنب أي مواجهة مع القوى الإقليمية الكبرى.
مع ذلك، تجري مجموعة تضم أكثر من 30 دولة، بقيادة فرنسا والمملكة المتحدة، مناقشات حول مبادرة محتملة لحماية الملاحة في الخليج في المستقبل. ومن المتوقع أن يتم النظر في هذه الخطوة فقط بعد تهدئة الأعمال العدائية، بحيث يمكن تنفيذ أي تدخل بشكل محدود وآمن، مع الحفاظ على حرية الملاحة وحقوق التجارة الدولية.
تتسم العملية بتحديات لوجستية وأمنية متعددة، نظرا لأن عدد الفرقاطات الأوروبية المشاركة محدود، ولأن القوات تعتمد على المعلومات الاستخباراتية من مصادر مختلفة لتحديد المخاطر المحتملة. ومع زيادة تصعيد الحوثيين، قد يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تقييم قدراته وإمكانياته لضمان استمرار حماية السفن التجارية دون تعرضها لهجمات.
تأتي هذه التحديات في وقت حساس للسياسة الأوروبية، حيث يحاول الاتحاد الأوروبي تعزيز دوره في المنطقة دون الانخراط في صراعات لا تتوافق مع مصالحه الاستراتيجية. ويشير خبراء الأمن البحري إلى أن أي توسع غير محسوب قد يضع التكتل في مواجهة مباشرة مع إيران أو وكلائها، وهو ما سيكون له تبعات سياسية واقتصادية كبيرة، خصوصا في ظل التوترات الحالية حول أسعار النفط وإمدادات الطاقة العالمية.


