الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

مراسلو التغطية الميدانية الفضائية أثناء الحروب: نموذج الحرب على لبنان…

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

ما يلفت انتباه الجميع أثناء تغطية الأحداث من قبل مراسلي القنوات التلفزيونية في أوقات الحروب هو الشيء المشترك الذي أصبح يتميز به المراسلون في القنوات اللبنانية المختلفة. كان العرف هو الذي يفرض الأحكام في نقل المعلومات من أماكن الأحداث، ولكن لا بد من تعريف دور وعمل المراسل الميداني أو الحربي.

تتمثل مهمة المراسل الميداني أثناء الأحداث في التواجد ميدانيًا لنقل الحقائق وصورة المعارك بدقة، وموضوعية، وصدق، وسط ظروف بالغة الخطورة. يوثق المراسل جرائم الحرب، ويروي قصة الصراع، ويوازن بين نقل الحدث العسكري وعدم الكشف عن معلومات استراتيجية، مع إعطاء الأولوية للسلامة الشخصية.

أبرز مهام ومسؤوليات المراسل الحربي:

1-التغطية الميدانية المباشرة: نقل الأخبار، تصوير الفيديوهات، والتقاط الصور من خطوط المواجهة الأولى أو مناطق النزاع.

2-نقل الحقيقة بموضوعية: نقل الأحداث بدقة دون تحريف، مع التمييز بين الرأي والخبر.

3-التوثيق: توثيق جرائم الحرب والانتهاكات الإنسانية.

4-التدفق الحر للمعلومات: توفير معلومات متوازنة حول تطورات العمليات العسكرية.

5-إدارة المخاطر والسلامة: اتخاذ إجراءات السلامة المهنية لحماية النفس من القتل أو الإصابة، والتعامل مع الضغوط النفسية.

6-الالتزام بالأخلاقيات: الالتزام بأخلاقيات المهنة، وحماية المصادر، والالتزام بالضوابط الرقابية على المعلومات العسكرية الحساسة.

القوانين الإعلامية تلزم المراسل بالمبادئ

تعد هذه المهنة محفوفة بالمخاطر، حيث يسعى المراسلون لتوفير معلومات دقيقة للجمهور رغم التهديدات المباشرة لحياتهم. إلا أن هذه المعايير المطلوبة للتقيد بها في التغطية الإعلامية نراها غائبة تمامًا في العمل الميداني، حيث غالبًا ما تغلب على التغطية الوقائع القريبة من المنطقة المعنية، ويتم من خلالها قراءة الأخبار كما لو كانت تجميعًا لتقرير يعرض ما حدث بشكل عام جراء القصف والضربات.

تُستخدم الصور التي تشير إلى الأحداث، وبالتالي فإن هذه الطريقة تضعف عمل الصحافي وتجعله معدًا لتقرير إخباري من داخل القناة. الصحافي الذي يُعتبر شاهد عيان على الحدث، ومهمته نقل المعلومة وتصوير المشاهد المرتبطة بتفاصيل المعلومات، ينتهي به الأمر ليكون مجرد ناقل لفواصل وأحداث عامة تحدث بشكل عام في النهار أو الليل. والأسوأ من ذلك، عندما يصبح المراسل يصف الأحداث كما لو كان حاضرًا في الحدث الميداني، متجاهلًا أنه في الواقع غير موجود في الموقع وإنما يجمع الأخبار التي يمكن قراءتها من طرف آخر أو من موقع معين يريد الإشارة إلى تأثيرها.

المراسل يفقد دوره الميداني

وبالتالي، يتحول الصحافي إلى مجرد قارئ لبيان من طرف معين، بناءً على معلوماته وأفكاره وتوجهاته، مما يبعده عن مهمته الأساسية في نقل الأخبار. التغطية ليست مجرد قراءة عن الهاتف أو تكرار تقارير ميدانية؛ بل يجب على المراسل أن يكون شاهدًا عيانًا على الأحداث وليس مجرد ناقل لآراء وتحليلات لمؤسسات إعلامية أو أطراف معينة.

الصحافي الذي يعتمد على هذا الأسلوب في التغطية يصبح متورطًا في تقديم وجهة نظر مؤسساتية قد تكون منحازة، كما يحدث في النقل المباشر عندما يُطرح على الصحافي أسئلة حول الأحداث وهو في مكان بعيد مثل بيروت أو البقاع أو الجنوب. في هذه الحالة، يعتمد المراسل على معلومات وصلته دون أن يكون في الموقع الفعلي، وبالتالي يقدم صورة غير دقيقة.

تعبئة الهواء وكمية المعلومات

طبعًا في هذه الحالة، هناك هامش لتعبئة الهواء من قبل الصحافي فور خروجه على الهواء المباشر، مما يجعله في حالة “تقطيع الوقت” حيث تسيطر القراءة على مراسلته. الكم الكبير من التجميع والتحليل الإخباري يتداخل فيه المعلومات الكثيرة والمتشعبة للأحداث، وفي ظل تسارع الأحداث وتوسعها، يصبح من الصعب على الصحافي الإحاطة الفعلية بالمعلومات بشكل كامل من جهة، ومن جهة أخرى يتردى مستوى اللغة الخطابية الموجهة للمتلقي، حيث يظهر فيها عدم القدرة على الربط والتشعب، وكذلك الأخطاء اللغوية والتداخل في التقسيمات الجغرافية. يصبح المراسل وراء خطوط الحدود ويتحدث بسلاسة، كأنما ينسى أنه يجب التحدث عن ما يمكن مشاهدته من موقعه، بينما لا يستطيع التحدث عن الجهة المقابلة لغيابه عنها.

المراسل والتحليل السياسي

الأسئلة التي تُطرح على المراسل تضعه في إطار محدد للتحليل والافتراضات، مما يبعده عن دوره الرئيسي في الإضاءة على الحدث وطبيعته في إطار تواجده الفعلي. التدخل في عملية السرد والتحليل أو قراءة الأخبار عن بعد يضعف دور المراسل ويجعله مجرد آلة لفرم الكلام دون فائدة. في عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، باتت المعلومات متاحة للجميع، وأصبح الناس أكثر معرفة من المراسل نفسه.

المطلوب من المراسل أن يكون عين الناس في نقل المعلومات والإشارة إليها لتوضيحها، ونقلها من مكان الحدث، وليس مجرد تقديم تحليلات أو قراءة الأخبار. قراءة الأخبار هي وظيفة الشاشات التي تقدم تقارير إجمالية تجمل الأحداث دون التعمق في الآراء والتحليلات.

التغطية الميدانية – مثال

هنا يمكن التحدث عن مثال حيوي لتغطية ميدانية قامت بها الصحافية “زهراء فردون” من فريق تلفزيون الجديد اللبناني، حيث كانت المراسلة الميدانية من أرض الحدث وقدمت عدة تقارير ميدانية بتاريخ 12-13 مارس 2026. في تغطيتها، ذهبت إلى الحدود الجنوبية، تحديدًا إلى بلدة “برج الملوك” ومدينة مرجعيون، حيث عرضت الصور الملتقطة من داخل البلدة وشرحت للجميع عن الأماكن والطرقات المغلقة، والمنازل الخالية، وأين يتواجد العدو في القرية والمنطقة، والمسافات الفاصلة بينهما، وكيف يتصرف العدو مع السكان. كانت برفقة مختار القرية الذي كان يشرح لها على الهواء، وتُأخذ المعلومات منه وترويها من قلب الحدث بطريقة مهنية وعفوية.

تعتبر هذه التقارير من أنجح التقارير التي قدمها تلفزيون الجديد وربما أفضل من تلك التي تعرضها التلفزيونات الأخرى أيضًا من حيث نوعيتها المهنية. يعود نجاح هذه التقارير إلى بنيتها المستمدة من مفاهيم التقرير الميداني الذي يعرض الأحداث بتفاصيل دقيقة، وهي من التقارير القليلة جدًا التي تعرض على الشاشات اللبنانية أثناء التغطية الميدانية المباشرة، وليس من خلال قراءة مصورة يتم تغطيتها من الخارج.

إن مهمة المراسل الميداني هي نقل الأحداث وتوضيحها مباشرة من قلب الميدان. لذلك، التغطية اللبنانية في العديد من الحالات هي تغطية ذات توجه سياسي، حيث يمارس المراسل مهمة التحليل أو نقل وجهات نظر معينة، مما يبعد عن الجمهور صورة الواقع الميداني.

لكن في ظل التقدم التكنولوجي والحروب الهجينة، أصبح دور الصحافي الميداني أكثر تعقيدًا. فبجانب التغطية الميدانية، يتعامل الصحافي مع تدفق هائل من المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما يزيد من صعوبة التأكد من دقة الأحداث وسط انتشار الشائعات. هذه الحروب الرقمية تعرّض الصحافيين لضغوط خارجية وتحديات في الحفاظ على الحياد والمصداقية. رغم هذه التحديات، يبقى الصحافي عنصرًا أساسيًا في نقل الحقيقة، لكن عليه التكيف مع الأدوات الحديثة والتمسك بالمهنية. في النهاية، يبقى دور الصحافي حاسمًا في تقديم التقارير الدقيقة وسط البيئة الإعلامية المتغيرة.

https://hura7.com/?p=76133

الأكثر قراءة