يوسف ناصر
جريدة الحرة ـ بيروت
يعيش لبنان حالة من التشنّج الطائفي المتصاعد، حيث باتت الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية وقودًا لصراعات خطابية تتحول سريعًا إلى تهديدات وجودية. في هذا المشهد المشحون، أي تصريح أو مشهد رمزي يمكن أن يشعل فتيل مواجهة، وكأن البلاد ما زالت عالقة بين جراح الحرب الأهلية القديمة وأشباح حرب جديدة.
لبنان، البلد الذي لم يتعافَ بعد من جراح الحرب الأهلية، تظلّ الطائفية قنبلة موقوتة. الأزمة الاقتصادية المستمرة، الفراغ الدستوري المتكرر، انحلال المؤسسات، ووجود سلاح خارج الدولة، جميعها عوامل تجعل أي تصريح أو فعل رمزي كافيًا لإشعال النار تحت الرماد. في هذه الأجواء، يتقدّم إلى الواجهة ممارسة وفيق صفا وكيف تحدى السلطة الشرعية ورئيس الحكومة نواف سلام وكسر قرارها وتصريحات النائب مروان حمادة، ما بين الممارسة والتصريح تغذى المجتمع اللبناني من جديد مزيداً من التشنّج الطائفي وترك اللبنانيين على حافة حرب أهلية جديدة لو إنزلقت الأمور أكثر من ذلك.
في رواندا، كان التوتّر العرقي بين قبيلتي الهوتو و التوتسي يتراكم منذ عقود. في نيسان 1994، سقطت طائرة الرئيس الرواندي جوفينال هابياريمانا، لتبدأ حملة تحريض إذاعي عبر ما عُرف بـ”إذاعة ميل كولين” التي وصفت التوتسي بـ”الصراصير” ودعت إلى قتلهم.
هذه الكلمات التحريضية، التي اعتُبرت في البداية مجرد خطاب كراهية، تحولت بسرعة إلى شرارة إبادة جماعية مروّعة، قُتل خلالها حوالي 800 ألف شخص خلال مئة يوم فقط.
في 22 شباط 2006، هزّ العراق تفجير استهدف مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في مدينة سامراء، أحد أقدس المزارات لدى المسلمين الشيعة. الانفجار دمّر القبة الذهبية للمرقد، واعتُبر هجومًا رمزيًا يستهدف هوية طائفة بأكملها.
ردّ الفعل كان كارثيًا، اندلعت موجة عنف طائفي غير مسبوقة بين السنّة والشيعة وفي خلال أيام فقط، امتلأت شوارع بغداد ومدن عراقية أخرى بجثث الضحايا. تقديرات المنظمات الدولية تشير إلى مقتل عشرات الآلاف في موجات انتقام متبادلة بين 2006 و2007.
تفجير سامراء كان الشرارة التي أطلقت حربًا أهلية مصغّرة داخل العراق، إذ تحوّل خطاب الكراهية والاتهامات المتبادلة إلى اقتتال دموي.
الدرس هنا أنّ أي تصريحات نارية أو تحريضية، حتى لو بدت “كلامًا عابرًا”، يمكن أن تفتح أبواب الجحيم إذا سقطت على أرض مشحونة. وما حصل في رواندا يذكّر اللبنانيين بأن خطابًا طائفيًا غير مسؤول أو أي تحدي يحمل في طياته زعزعة أمن البلاد والعباد قد لا يبقى مجرد جدل سياسي، بل قد يقود إلى عنف لا يمكن السيطرة عليه.
الخلاصة للبنان ما حصل في رواندا 1994 و العراق 2006 يثبت أن كلمة استفزازية أو حادثة رمزية مع وجود بيئة منقسمة وسلاح متفلّت قادرة على دفع بلد كامل إلى حرب أهلية. لذلك، أي تصريح مثل “رح نضويها لصخرة الروشة” أو “الجنازة حامية والميت كلب” ليس مجرد زلة لسان، بل قد يكون الشرارة التي تفتح أبواب الجحيم.
حين تحدّث وفيق صفا عن “إضاءة صخرة الروشة”، لم يكن الكلام بريئًا أو عابرًا. الصخرة ليست مجرد تكوين طبيعي؛ إنها رمز وطني لبيروت، شاهدة على صمودها ومقاومتها. تحويلها إلى أداة استعراض حزبي يعكس عقلية الهيمنة التي ترى في لبنان مساحة مفتوحة لتكريس النفوذ.
صفا لم يكتفِ بالكلام، بل عزّز الرسالة بلغة التحدّي، نحن قادرون على تحويل أي معلم إلى لوحة حزبية، وأن نضع بصمتنا في أي مكان نختاره. هذه ليست مجرّد دعاية، بل استفزاز واضح لمشاعر شريحة واسعة من اللبنانيين ترى في بيروت العاصمة مساحة مشتركة لا يجوز احتكار رموزها.
من هنا يُقرأ كلام صفا كترجمة، حيث يتحوّل القائد الحزبي إلى مالك رمزي للوطن، ويستعرض قوته عبر الرموز، لا عبر المؤسسات الشرعية. هذا السلوك لا يهدّد خصومه السياسيين فحسب، بل يوجّه رسالة إلى الشارع: الحزب أقوى من الدولة، وهو القادر على صياغة هوية لبنان الرمزية والثقافية.
في الجهة المقابلة، جاء تصريح النائب السابق مروان حمادة، «الجنازة حامية والميت كلب». العبارة صادمة، جارحة، ومهينة. قد يبرّر البعض أنّها مجرد تعبير شعبي استُخدم في لحظة انفعال سياسي، لكن وقعها في بلد متشنّج كلبنان لا يمكن التقليل منه.
كلمات حمادة تحوّلت سريعًا إلى مادة مشتعلة، فُسّرت على أنّها استهداف مباشر لمكوّن طائفي بعينه، وأعادت شحن الغرائز المذهبية. الخطر هنا أنّ تصريحًا من سياسي مخضرم يكتسب وزناً أكبر من مجرد زلة لسان، خصوصًا أن الجمهور اللبناني يعيش هاجس “المؤامرة الطائفية”، وكل جملة حادة تُقرأ كتحريض مقصود على الاقتتال.
حمادة، بخبرته السياسية الطويلة، كان يدرك أثر كلماته، لكنه اختار أن يلعب على حافة الاستفزاز، (لكل فعل رد فعل) والنتيجة: موجة غضب في الشارع، وانقسام حاد بين من رأى في تصريحه حقيقة مرّة ومن اعتبره إهانة لا تُغتفر.
حزب الله والحرب الأهلية: ورقة ضغط أم خيار استراتيجي؟
في المشهد اللبناني المتشابك، يظلّ حزب الله لاعبًا أساسيًا يفرض إيقاعه على الساحة الداخلية، ليس فقط من خلال ترسانته العسكرية، بل أيضًا عبر استخدامه المستمر لفزاعة الحرب الأهلية. فكلما ارتفعت الأصوات المطالبة بنزع سلاحه أو تقليص نفوذه، يعمد الحزب إلى التلويح الضمني بإمكانية الانزلاق إلى اقتتال داخلي، ما يشكّل أداة ردع سياسية تمنع خصومه من التقدّم في مشاريع إصلاحية أو سيادية تهدّد مصالحه.
لكن هذه الورقة لا تُستخدم في الداخل فقط، بل تتحوّل إلى وسيلة تفاوض خارجية. فخطاب التوتير الطائفي يتخذ في كثير من الأحيان بعدًا إقليميًا ودوليًا، وكأنّ الحزب يوجّه رسائل إلى العواصم المؤثرة: إمّا استمرار نفوذه في لبنان، أو فتح الباب أمام الفوضى. بهذه المعادلة يضع نفسه شريكًا لا غنى عنه في أي تسوية، حتى لو كان الثمن إبقاء البلاد رهينة تجاذبات مستمرة.
على الصعيد الداخلي، يجد حزب الله في هذه الاستراتيجية وسيلة فعّالة لإبقاء قواعده متماسكة. فحين يشيع أجواء الخطر الطائفي الوشيك، يعيد إنتاج الولاء داخل بيئته الحاضنة، ويُسكت أي أصوات معارضة من داخل الطائفة نفسها. الشعور الدائم بالتهديد يجعل جمهوره أكثر التصاقًا به، ويحوّل النقاش الداخلي حول خيارات الحزب إلى أمر شبه محظور.
غير أنّ هذه اللعبة محفوفة بالمخاطر. فالحرب الأهلية إذا ما اندلعت فعلًا، لن تكون ورقة ضغط بل كارثة وطنية تطال الجميع، بما في ذلك الحزب نفسه. أي اقتتال مذهبي شامل سيؤدي إلى تقويض البيئة التي يستند إليها، ويفقده شرعيته الداخلية والإقليمية، ويجعله عرضة لعقوبات أشد وضغوط غير مسبوقة. عندها، لن يكون حزب الله هو المستفيد من الفوضى، بل أول الخاسرين لكن على المدى الطويل، الانزلاق إلى حرب أهلية فعلية سيكون كارثيًا على الجميع، بما في ذلك حزب الله نفسه. أي اقتتال مذهبي شامل سيقوّض البيئة الحاضنة، ويفقد الحزب شرعيته الداخلية والإقليمية، ويجعله عرضة لعقوبات أوسع وضغوط غير مسبوقة.
نحو تعزيز السلم الأهلي والعيش المشترك في لبنان
في بلد مثل لبنان، حيث تتشابك الطوائف وتتقاطع الولاءات، يصبح تعزيز السلم الأهلي مهمة وطنية تتجاوز الشعارات وتستدعي خطوات عملية تعيد الثقة بين المكوّنات. فالمطلوب قبل كل شيء إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الجامعة، الدولة التي تحمي جميع أبنائها من دون استثناء، وتكون المرجعية الوحيدة في مواجهة الأزمات. عندما يشعر المواطن أن حقوقه مصانة عبر مؤسسات رسمية قوية وشفافة، تتراجع الحاجة إلى الاحتماء بالطائفة أو الحزب.
إلى جانب ذلك، يبرز دور الخطاب السياسي والإعلامي الذي لا يزال في كثير من الأحيان أسير التحريض الطائفي. تجديد هذا الخطاب نحو لغة أكثر عقلانية وميثاق إعلامي يضع حد للكراهية يمكن أن يساهما في تخفيف الاحتقان وإغلاق الطريق أمام محاولات استثمار الخوف في المعارك السياسية.
كما أن التربية والثقافة تبقيان ركيزتين أساسيتين لبناء وعي وطني جامع. فالمدارس والجامعات مدعوة إلى ترسيخ فكرة المواطنة فوق الانتماءات الضيقة، فيما تعكس الفنون والمبادرات الثقافية المشتركة صورة لبنان الحقيقي، بلد التنوع لا الانقسام.
الحوار بدوره يبقى صمام الأمان. فلبنان لا يستطيع أن ينتظر لحظة الانفجار ليلجأ إلى الطاولات المستديرة. المطلوب حوار دائم ومؤسساتي، يضع على الطاولة القضايا الكبرى مثل السلاح والاقتصاد والهوية الوطنية، بروح المشاركة لا الفرض.
ولا يمكن الحديث عن سلم أهلي من دون عدالة اجتماعية واقتصادية. فالفقر والبطالة والفساد ليست مجرد مشكلات معيشية، بل قنابل موقوتة تدفع نحو التوتر والانقسام. حين تتحقق العدالة في توزيع الفرص وتُحترم الكرامة الإنسانية، يصبح العيش المشترك خيارًا طبيعيًا لا يحتاج إلى وصاية أو قسر.
إن السلم الأهلي في لبنان ليس مجرد شعار يُرفع في المناسبات، بل مشروع وطني طويل الأمد، يتطلّب إرادة سياسية شجاعة ورؤية جامعة. وحدها العدالة، والاحترام المتبادل، والدولة القادرة، يمكن أن تصنع مستقبلًا مختلفًا، وتمنح اللبنانيين حقهم في وطن مستقر يليق بتضحياتهم وآمالهم.
لبنان اليوم يقف على مفترق مصيري تتقاطع عنده كل التحديات، سلاح خارج سلطة الدولة، خطاب طائفي مشحون، أزمة اقتصادية خانقة، وانعدام ثقة شبه كامل بين المواطن ومؤسساته. في ظل هذه الوقائع، يبقى شبح الحرب الأهلية حاضرًا في الذاكرة الجماعية، يُستحضر كلما أراد طرف سياسي فرض معادلة أو قلب موازين. غير أن التجربة اللبنانية منذ عقود أثبتت أن أي صدام داخلي، مهما كانت دوافعه، ينتهي بانكسار شامل لكل الأطراف، لا غالب فيه ولا مغلوب، سوى الخراب.
الخيار الحقيقي أمام اللبنانيين ليس الانجرار وراء منطق القوة أو منطق الغلبة، بل التأسيس لثقافة عيش مشترك تحمي التعددية بدل أن تحوّلها إلى لعنة. ذلك لن يتحقق إلا عبر إعادة بناء الدولة كمرجعية عليا، وإعادة الاعتبار للعدالة الاجتماعية كضمانة أولى للاستقرار. فلا سلاح يمكن أن يؤمّن الأمن، ولا طائفة قادرة على حماية نفسها، إذا انهارت المؤسسات وضاعت الثقة بالوطن.
الخلاصة بأن لبنان لا يحتاج إلى ممارسات جديدة يعبثون بخطوطه الطائفية. ما بين من يستعرض قوته الرمزية، وآخر من يطلق لسانه بلا ضوابط، يعيش الشعب اللبناني حالة من الرعب المشروع.
المطلوب اليوم أن يتوقّف هذا الجنون السياسي قبل أن يتحوّل إلى جنون أهلي. فالحروب تبدأ بكلمة، بصورة، باستعراض. لكن نهايتها دائمًا واحدة: خراب شامل، دماء، ومأساة متجددة. إذا لم يدرك القادة هذه الحقيقة، فإن اللبنانيين سيبقون عالقين في دوامة “جنون لا ثالث له”، حيث لا مكان للعقل، ولا مستقبل للوطن.


