جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تتداخل الحسابات الإقليمية بالتعقيدات الميدانية مع اقتراب موعد الجولة الخامسة من المفاوضات السياسية والعسكرية المباشرة في واشنطن، والتي تكتسب دلالات استثنائية لكونها تنعقد في أعقاب إعلان مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية. ويأتي تأجيل انطلاق هذه الجولة لمدة يوم واحد ليرتبط بترتيبات دبلوماسية لوجستية تخص الإدارة الأمريكية، في وقت تبحث فيه مؤسسات الدولة اللبنانية الرسمية عن تثبيت حضورها الدستوري كجهة شرعية وحيدة مخولة بالتفاوض ورسم السياسات العليا للبلاد.
تتجلى المعطيات الراهنة في محاولة العاصمة اللبنانية صياغة موقف رسمي موحد يرتكز على ثوابت واضحة؛ إذ يسعى الوفد اللبناني، بشقيه السياسي والعسكري، إلى الانتقال بالوضع الميداني من مرحلة خفض العمليات العسكرية إلى وقف نهائي وشامل لإطلاق النار، مع التأكيد على ضرورة انسحاب العدو الإسرائيلي الكامل وغير المشروط من الأراضي التي تم التوغل فيها بعد الثاني من آذار، وتولي الجيش اللبناني منفردًا مهام الأمن وبسط السلطة الشرعية حتى الحدود الدولية الرسمية.
في المقابل، تبرز المقاربة من طرف العدو الإسرائيلي محملة بشروط تنظيمية وميدانية معقدة تحاول فرض واقع جغرافي جديد؛ حيث تطرح تل أبيب مفهوم “المناطق التجريبية” للاختبار الأمني، وتتمسك ببند يتيح لقواتها حرية الحركة العسكرية والتدخل عند حدوث أي تهديد، وهو ما ينظر إليه الجانب اللبناني كمساس مباشر بالاستقلال الوطني. ويتزامن هذا التباين في السقوف التفاوضية مع استمرار الضغوط التي تمارسها إدارة الرئيس دونالد ترمب الرامية إلى تقليص حجم قوات العدو الإسرائيلي في الجنوب لمنع انهيار الترتيبات الإقليمية، وتفضيل واشنطن دعم مسار تفاوضي يقوي مؤسسات الدولة اللبنانية الرسمية.
وتزيد الاتصالات الدبلوماسية الأخيرة التي أجرتها طهران مع الرئاسات اللبنانية من حدة النقاش الداخلي حول آليات اتخاذ القرار؛ إذ تتقاطع الرغبة الإقليمية في تأكيد ترابط الملفات وضمان صمود التفاهمات، مع إصرار بعبدا والسرايا الحكومية على حصر القرار الاستراتيجي في القنوات الدستورية الرسمية، وتفادي تحويل الساحة المحلية إلى ورقة مقايضة في التفاهمات الكبرى.
تنفتح المرحلة المقبلة على سيناريوهات ومسارات دبلوماسية وميدانية محددة ترسم معالم الاستقرار في الجنوب وفي العمق اللبناني:
▪️︎ السيناريو الأول: نجاح الإطار التفاوضي المستقل
يتمثل هذا المسار في نجاح مفاوضات واشنطن المباشرة برعاية أمريكية في صياغة جدول زمني دقيق لانسحاب العدو الإسرائيلي التدريجي، يقابله انتشار فوري ومنظم لوحدات الجيش اللبناني، مما يؤدي إلى تثبيت التهدئة الدائمة وتحييد القرار الوطني عن التجاذبات الإقليمية، مدفوعًا برغبة دولية في إرساء الاستقرار المؤسساتي.
▪️︎ السيناريو الثاني: حرب الاستنزاف الطويلة
يقوم هذا التوقع على احتمال تعثر الشق التقني في المفاوضات نتيجة إصرار العدو الإسرائيلي على فرض “المناطق التجريبية” وحرية الحركة، مما يدفع نحو انهيار الهدنة المؤقتة وتحول الجنوب إلى منطقة اشتباك مستمر بالواسطة، وتصاعد حدة الانقسام السياسي الداخلي حول شرعية المسارات التفاوضية الموازية.
▪️︎ السيناريو الثالث: التسوية المرحلية الهشة
يتلخص هذا السيناريو في الالتزام اللفظي بمذكرة التفاهم الإقليمية طيلة مهلة الستين يومًا، مع بقاء الوضع الميداني معلقًا بين اعتداءات موضعية من طرف العدو الإسرائيلي وردود متبادلة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات الدولية الأوسع المتعلقة بالملفات الإقليمية ورفع العقوبات.


